بل يَنْبَغِي أن تَبْقَى المفاجأةُ كاملةً في أدائها، ليَسْتَمْتِعَ مُتَذَوِّقُ الأدب بهذا اللّون من ألوان الجمال في أساليب الكلام الرفيع.
ونظير هذا النداء المفاجئ ما جاء في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) خطابًا لموسى عليه السلام، يقول الله عزّ وجلّ فيها:
{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يامُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} .
إنّ المعنى الذهني هو على تقدير: فلمَّا وَلَّى مُدْبرًا ولَمْ يُعَقِّبْ قُلْنَا لَهُ:
{يامُوسَى...} لكِنَّ مثْلَ هذا التقدير لا يُصَرَّحُ به لدى التحليل الأدبيّ لأنّه يُفْقِدُ المفاجأةَ جمالَها وفَنِّيَّتَها الإِبداعيّة.
المثال الثالث:
وجاء في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) قول الله عزّ وجلّ يحكي ما سيحدث للطاغين يوم الدّين من عذابٍ في جَهَنّم.
{هَاذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
ففي هذا النصّ حكاية أمْرٍ سيحدث في المستقبل يومَ الجزاء الأكبر، وبَعْدَهُ مباشرة جاء كلامٌ مُسْتَقْطَعٌ من الحديث الذي سَيَحدُثُ مستقبلًا، وهو مذكور بصيغتِهِ نفسِها التي ستقال، فقال الله عزّ وجلّ:
{هَاذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} .
حَمِيمُ: ماءٌ حارٌّ شَديد الحرارة.
غَسَّاق: سائل أصفر يشبه الماء الأصفر الذي تُفْرِزُه الجلودُ إذا تقرَّحَت أو احترقت.
وبعده جاء كلامٌ مستقطَعٌ أيضًا من الحديث الّذي سيكون، وهو كلامٌ سَيُقَالُ للطاغين وهم في جهنم:
{هَاذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ...} .
لَقَد كان الطّاغون قادةً لجماهير تَبِعَتْهُمْ فِي طغيانهم، فيقالُ لهم هذا القول حِينَ يُلْحَقُ بهم أتباعُهُم، وجاء عَقِبة في النصّ:
{لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ} .