فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 894

ورأوا أنّ أصل هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت بالشَّيْءِ تثبيتًا قويًّا بالشيء الدّاخل في شيءٍ آخر دخولًا انْدِمَاجيًّا، أو دخولًا ظرفيًّا، واسْتُعِير لهذا المعنى اسْمٌ يدلُّ على هذا الدخول، ثمّ استغني عنه بحرف الجرّ"في"الذي يدلُّ على الظرفية، استعارة تابعةً للاستعارة في اسلام الجامد، لأنّ معاني الحروف تابعةٌ لمعاني الأسماء.

وتُلاحَظُ هذه الاستعارة فيما حكى الله عزَّ وجلَّ في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) عن قول فرعون لِسَحَرته متوعّدًا لهم بعد أن آمَنُوا بِرَبّ موسى وهارون:

{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} .

لقد رأى البيانيّون في عبارة: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} استعارةَ حرف الجرّ"في"للدلالة به على معنى حرف الجرّ"على".

ورأوا أنّ علاقة هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت في الجذوع بدخول شيءٍ في شيءٍ آخر، لأنّ تثبيتهم في الجذوع قد يكون بمسامير تدخل فيها، ولمّا كان حرف"في"يفيد هذا المعنى فقد حَسُنَت استعارته على طريقة الإستعارة التبعيّة، باعتبار أنّ معاني الحروف تابعة للمعاني في الأسماء.

أقول:

مع أنّ مثل هذا المثال ليس من اللاَّزِم أن يكون واردًا على سبيل الاستعارة في الحرف، بل الأقرب أن يكون الكلامُ جَاريًا على طريقة التَّضْمِين، وهو هنا تضمين فعل: {لأُصَلّبنكم} معنى فعل آخر يتعدّى بحرف الجرّ"في"فعُدِّي تعديته، وأصل الكلام: لأصلبنكم عَلَى جذوع النَّخْل ولأُثَبّتَنَّكُمْ فيها بالْمَسَامِير التي تَدْخُل في الجذوع، فَنَابَتِ التعدية بحرف الجرّ"في"مناب ذكر الفعل الذي حُذِف، وَضُمِّنَ الْفِعْلُ المذكُورُ معناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت