*لَمْ تَلْقَ هَذَا الْوَجْهَ شَمْسُ نَهَارِنا * إِلاَّ بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيِ حَيَاءُ*
لقد تضمَّن هذا القول تشبيه وجه ممدوحه بالشمس، وهو تشبيه قريبٌ مبتذل، لكن أبا الطيب تصرّف فيه بطريقةٍ بديعة غريبة رفعت قيمته إلى المرتبة العليا، إذْ أدخل في التشبيه عناصر غير مأْلوفة، فقد أَبَانَ دُون إفصاح صريحٍ بالتشبيه أنَّه كان من واجب الأدب والحياء أن لا تظهر الشمس أمام وجهه لضآلة ضوئها في مقابل وجهه الوضّاء، لكنَّها غير ذات حياء، فمن أجل ذلك تَلْقَى الشمْسُ وجْهَهُ مع أنَّه أعظم منها ضياءً.
(2) قول الشاعر:
*فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ واللَّيْلُ رَاغِمٌ * بشَمْسٍ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ*
*فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلاَمُ نَائِم * أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ*
تضمّن هذا القول تَشْبِيه مَنْ أُعْجِبَ الشاعر بجمال وجهها بالشمس، وهو تشبيه مبتذل، لكن أَدْخَل فيه عناصر رفعته من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا، إذ وَصَفَ طلعةَ وجهها من جانب الخدر في اللَّيل على صورة مفاجئة تشعر بأنّ الشمس التي غابت أعيدت إلى الظهور، فهو في حَيْرَةٍ: هل هو نائم يَرَى حُلُمًا، أو يُوشَعُ بن نون صاحب موسى موجود في الركب، ومن أجل طلبه أعيدت الشَّمْسِ للظهور، كما حصل له إِذِ استوقف الشمس على ما ذكروا.
(3) قول الشاعر الوطواط في ممدوحه:
*عَزَمَاتُهُ مِثْلُ النُّجُومِ ثَوَاقِبًا * لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلثَّاقِبَاتِ أُفُولُ*
لقد رفع من قيمة هذا التشبيه إضافة الشاعر الاستدراك إليه، وهو كون النجوم الثواقب لها أفُول، أمّا ممدوحه فلا أُفولَ له.
قالوا: ويسمَّى هذا"التشبيه المشروط".
(4) ومن التشبيه المشروط الذي رفعته إضافة الشرط إلى المرتبة العليا، قول الشاعر في ممدوحه:
*يَكَادُ يَحْكِيكَ صَوْبُ الْغَيْثِ مُنْسَكِبًا * لَوْ كَانَ طَلْقَ الْمُحَيَّا يُمْطِرُ الذَّهَبَا*