ثمّ يأتي فوقه أسلوب الشكر على تحقيق المطلوب قبل تحقيقه، ومن أمثلة ذلك:"أشكرك على كأس الماء الذي ستقدّمه لي".
ثمّ يأتي من فوق ذلك أسلوب التلميح والتعريض، ولهذا الأسلوب صور كثيرة، ودرجات بعضها أرقى وأعذب من بعض ومن أمثلة هذا الأسلوب:
(1) ماؤكم عذب لا يشبَعُ منه الشاربون.
(2) الحرُّ شديد يورث الظمأ.
(3) طعامكم طيِّب ولذيذ أكْثَرْنَا منه فألهب الأكباد.
وهكذا من أمثلة المعاريض التي لا تحصر.
أَلَسْنا نلاحظ أنّ الهدف المطلب تحقيقه واحد في كلّ الأساليب السابقة، إلاَّ أنّ الأساليب البيانيّة للإِعلام بالهدف قد تفاوتت تفاوتًا كثيرًا.
ومع تفاوت الأساليب البيانيّة وارتقاء بعضها فوق بعض، نؤكد أنّه ربّما كان الأدنى منها أصلح وأجدى من الأساليب التي هي أرقى، مع بعض المخاطبين، أو في أوضاع وأحوال خاصّة، أو في موضوعات معيّنة أو بالنسبة إلى أهدافٍ خاصّة من الكلام. وعندئذٍ يكون الأدنى في أسلوبه البياني هو الأبلغ لتحقيق الهدف، كشأن أساليب التربية.
ومن أجل ذلك لا بدّ من النّظر إلى الأسلوب البياني ومرتبته من جهة، وإلى ما يَقْتَضيه الهدفُ وإلى وضع المخاطب وحاله من جهة أخرى.
ومن هذا تبيّن لنا أنّ الأساليب البيانية تختلف أنواعها اختلافًا كثيرًا، وأنّ الأهداف من الكلام، وأوضاع المخاطبين وأحوالهم، والموضوعات العامّة التي يجري فيها الكلام، والمضامين الفكرية التي يراد الدلالة عليها، والْمُنَاخات النّفسية والاجتماعية التي يوجّه فيها الكلام، تختلف اختلافًا كثيرًا أيضًا.
والبليغ حقًا هو الذي يُحْسِنُ الملاءَمَة بين أسلوبه البياني وبين الهدف الذي يقصده، والموضوع الذي يتحدّث فيه، ووضع المخاطب الذي يُوَجِّهُ له كلامه، وحاله التي هو عليها، وسائر الأمور التي يمكن أن يُلائِمَها أسلوب من الكلام ولا يلائمها أسلوب آخر.