وبلا شك أَنَّ الترك فعل فمن ترك شيئ لله عوضه الله خيرًا منه. فالترك عبادة إِنْ تقصدها صاحبها. فلو أَنَّ الطبيب رأى مريضًا ينزف فتركه ولم يُسعفه حتى مات كان قاتلًا له، وكذا لو أَنَّ أهل حي تركوا الجائعين حتى ماتوا لكانوا قاتلين لهم ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « أيما أهل عرصةٍ باتوا وفيهم امرؤٌ جائعٌ إلا برئت منهم ذمة الله» ، قال ابن حزم -وهذا من انفراداته-: أحْكُمُ بقتل جميع أهل القرية. وقد تتبعت خلاف العلماء على عجلة فوجدت ما يلي: الشافعية يرون سنية دعاء الاستفتاح بحديث علي (وجهت وجهي..الخ) وحديث أبي هريرة (اللهم باع بيني ..الخ) ، أما أحمد وابو حنيفة فيرون سنيته بحديث: (سبحانك اللهم وبحمدك .. الخ) الذي رواه أبو سعيد الخدري عند ابن حبان والترمذي، وعن عائشة عند ابي داود والترمذي وابن ماجة، وأختاره الإمام أحمد ؛ لأَِنَّهُ ثبت أَنْ عمر رضي الله عنه كان يجهر به احيانا ليعلمه الناسَ . (13:46) ولم يثبت عن الصحابة وقتئذ إلا الرضا بذلك. مع قول الجميع بأنه أَيّ ذكر ورد عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستفتاح فهو صحيح ، ولكن الخلاف بينهما في أيهما الأولى.. لكن حديث أنس (الحمد لله حمدًا كثيرا ..الخ) وحديث ابن عمر ( الله أكبر كبيرًا ..الخ ) وقد أقرهما النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن هل هذه أدعية استفتاح؟ سنرى أنهما ليسا لهما علاقة بتبويب النووي وإنما صلته بالتبويب الذي بعده.. [1] . ورواية البخاري تبين أَن قَوْلَةَ الرجل كانت بعد القيام من الركوع ولم تكن في دعاء الاستفتاح. وقد سبق أَنْ قلنا أَنَّ حديث أنس هو من انفرادات مسلم فهذا صحيح؛ لأن البخاري رواه من حديث رفاعة بن رافع .
(1) وهو باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ، فحديث أنس فيه أَنْ الرجل قد حفزه النفس لانه أتى مسرعًا، أما حديث ابن عمر فهو شبيه بحديث أنس إلا أنه ليس في انقطاع نفس الرجل .