الصفحة 537 من 1625

والشاطبي يقرر بكلمات موجزة لما استقراءه استقراءً يكاد يكون تامًا لجميع نصوص الشريعة، وقد قال في المجلد الخامس صفحة 366: ولأجله كان الصحابة طالبين لها (للعمل والمهن) مشتغلين بها عاملين فيها؛ لأنها من هذه الجهة عونٌ على ذكر الله عليها وعلى اتحاذها (أي الدنيا وما فيها من أموال) مركبًا للآخرة وهم كانوا أزهد الناس فيها وأورع الناس في كسبها فربما سمع في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى لجهله بهذا الاعتبار -وحاشا لله ذلك- إنما طلبوها من الجهة الثانية فصار طلبهم لها من جملة عباداتهم (أي لم يعلموا إلا لأن الله أمرهم بذلك) كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى (يعملون من أجل حطامها ) فكان ذلك من جملة عباداتهم (رضي الله عنهم وألحقنا بهم وحشرنا معهم ووفقنا لما وفقهم له بمنه وكرمه ) . وقال في غير هذا الموضع: وكان الصحابة -رضي الله عنهم- حريصين على جمع الأموال وتنميتها كحرص والي المسلمين على بيت مال المسلمين والمحافظة عليها فما طلبوها من أجل حظوظ أنفسهم وإنما طلبوها من أجل الآخرة ونصرة دينه. فتأمل هذا الفصل فإن فيه رفع شُبَهٍ كثيرة تَرِدُ على الناظر في الشريعة وفي أحوال أهلها، وفيه رفع مغالط تعترض السالكين لطريق الآخرة ويفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه كما يفهمون طلبها على غير وجهه فيمدحون ما لا يمدح شرعًا ويذمون ما لا يذم شرعًا ، وفيه -أيضًا- من الفوائد: فصل القضية بين المختلفين في مسألة الفقر والغنى، (35:23) وأن ليس الفقر أفضل من الغنى باطلاق ولا الغنى أفضل باطلاق بل الأمر في ذلك يَتَفَصَّلُ: الغنى إِذَا أمال إلى إثار العاجلة كان بالنسبة إلى صاحبه مذمومًا وكان الفقر أفضل منه، وإن أمال إلى إثار الآخرة بأنفاقه في وجهه والاستعانة به على التزود بالمعاد فهو أفضل من الفقر والله الموفق بفضله. أهـ. ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت