الصفحة 30 من 1625

والأول أصوب وأصح؛ فلا يجوز للمصلي أن يَلْعَنَ غيره [ في الصلاة] وأن هذه الحادثة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله: (ولا يصلح في الصلاة شيء من كلام النَّاس ) عامٌ . وهذا ما يقال عنه من مُلَح العلم، فالمُلح لا عموم لها وليست شاملة ولا ثابتة، وإنما وقعت في ملابسات. فلا يُبنى عليها أحكام . مثل قول ذلك الصحابي: ( ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا.. ) فهذا من ملح العلم حيث وافقت الْحَقَّ فأقرَّهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - . فإذن ؛ لا يقال: أنَّ الأصل عند الصحابة: ليس التوقيف في العبادات. فلم تتكرر الحادثة فليس لها عموم ولا ثباتٍ ولا شمول . والشاطبي في القاعدة التاسعة في كتابه الموافقات فرق بتفصيلٍ بديع بين ملح العلم وصلب العلم . وطالب العلم لا ينشغل بالملح إِلاَّ بعد أَنَّ يُتقن الصلب وإِلاَّ إعْوَجَّ فِقهُهُ ولم يستطع أن يبني نفسه بناء ً علميًا صحيحًا، ولذا قال أبو يوسف: مَن أَغْرَبَ كذبَ. أي: من بحث عن الغرائب يقع في الكذب فيَنسِبُ إلى دين الله ما ليس منه. ومما يُؤكد ما قلناه من أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أراد أن يربط الشيطانَ عقب الصلاة ما ورد ههنا: (وبسط يده كأنه يتناول شيئًا) . وهذا البسط يُوضّح مُراد البخاري في حديث أبي هريرة لَمَّا وضعه في كتاب العمل في الصلاة وهذا الطريق خَطرَ عند البخاري ولا أقول في صحيحه وإنما وقف عليه. والبخاري أمامه مئه ألف طريق فانتقى الأحاديث التي سيضعها في صحيحه، فقلَّ أن يكون لأصحاب الصحيحين طرقًا للحديث أو أصح الطرق منها. وينبغي إن أردنا دراسة صحيح مسلم دراسة صحيحة متعمقة فاحصة أَنَّ نذكر عند كل طريق: لماذا حاد عنها البخاري. وهذا أمر شاق جدًا ويجعلنا نسترسل طويلًا في جمع الطرق ولماذا حاد عن هذا الطريق خاصة. ولعلنا نتمكن من ذلك في أواخر الدروس من الصحيح ونسأله تعالى العون على ذلك وأن يثبتنا وأياكم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت