الصفحة 29 من 1625

كما قال تقي الدين السبكي لولده تاج الدين: يا بني إذا كنت تسير في الطريق ونبَحَكَ كلبٌ فماذا تفعل؟ قال أرمي به حجرًا، قال: وإن نبحك، قال: أرمي به، وفي الثالثة قال: علمني يا أبتي، قال: نادي بأعلي صوتك: يارب هذا الكلب [ يا صاحبه] كُفَّ كلبكَ عن الطريق. ومعنى الاستعاذة هو الالتجاء واللواذ إلى الله بلوائه وحمايته من شر هذا العدو. وقد علَّمَنا ربنا - عز وجل - في ثلاث آيات من كتابه أَنَّ شيطان الإنس يحتاج إلى مصانعة وأن تدرأ السيئة بالحسنة، أماشيطان الجن فلا يُدرؤ إِلاَّ إذَا استعذت بالله منه [لأنه كلما وجدت الْحقَّ جاءكَ بشبهةٍ أُخرى] وقد جاء هذان المعنيان في قوله تعالى: { خُذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك الشيطان نزغٌ فاستعذْ بالله إنه سميع عليم } . فالقسم الأول لدرء شيطان الإنس، والقسم الثاني لدرء شيطان الجن. وكذا قول الله تعالى في سورة المؤمنون: { ادفع بالتي هي أحسن السيئةَ، نحن أعلم بما يصفون، وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربي أن يحضرون } . وكذا في سورة فُصلت: { لا تستوي الحسنةُ ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } . أما قوله (ألعنك بلعنة الله) ؛ فيه إشارة إلى أَنَّ هذا الحديث -عند مسلم- منسوخ. وليس كذلك؛ فقوله هذا إما أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الخطاب [المباشر للشيطان] وبالتالي يبقى أنه لا يصلح في الصلاة شيءٌ من كلام النَّاس فلا يجوز-مثلًا- الدعاء على أحد على سبيل الخطاب المباشر. وهذا هو السرّ في وضع هذا الحديث مع الأحاديث التي قبلها [التي فيها منع الكلام في الصلاة] . أو أن يقال: ( إن كان الكلام اليسير جائز لصحة الصلاة فإن العمل اليسير كذلك جائز لصحة الصلاة) وهذا ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت