وهذا يدلل على ان المقبول المتماثل بالجملة لو بين مبهمًا او عين مكانا او عين شيئًا عينه الثقات فانه يُعتمد وهذا صنيع ابن بشكوال في غوامض الاسماء المبهمة، وصنيع أبي زرعة العراقي في المستفاد وكل من الف في هذا الباب. فالحديث الضعيف ليس عدمًا والاسناد الضعيف ليس عدمًا وإنما يُستفاد منه احيانا. ولا سيما إن كان في المعلومة تفصيل الشيء أجمله الثقات ولا اثر له على الحكم فلا يستنبط منه حكم كما وقع هنا في الرواية التي أخرها مسلم . وقد ذكرنا سبب تأخير مسلم لبعض الاسانيد . فههنا بين ان المسائل اعرابيا فقال: (وجاء اعرابي) وان الحادثة كانت بعد صلاة الفجر بمدة من الزمن ؛ وفي هذا اشارة إلى ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس كما في صحيح البخاري، وهذا حال الأوليين فما كانوا يعرفون النوم بعد الفجر والدليل على ذلك قوله: ( وجاء اعرابي بعد ان صَلَّى النبي الفجر) . قوله: ( فأدخل رأسه..) ؛ لو ان رجلا قال: والله لا أدخل دار فلان او المسجد فادخل رأسه فيه ، فهل يُكفر عن يمينه ام لا ؟ الظاهر أنه يُكفر ولكن ينازع ذلك أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج رأسه وهو في المسجد إلى بيته فتغسله وبدنه عائشةُ. فهذا الحديث يدلل في الصورة الاولى أنه لا يُكفر لأن الدخول [يكون] بالقدم والايذاء مُعلل والتعليل بصوته فقد دخل المسجد بصوته. أرايت لو ان أحدهم وقف على باب المسجد فصيح وآذى وصرخ او انشد كحال الباعة يوم الجمعة الذين يشوشون على المصلين، فهل فعلهم هذا مشروع مع ان اجسامهم خارج المسجد ؟ غير مشروع ؛ لأن هذا النهي معقول المعنى فإن جاء الايذاء ودخل المسجد وشوش على المصلين وكان خارج المسجد فعندي وقع النهي لأن العبرة في المعاني فيقال لمثل هؤلاء: لا اربح الله تجارتك. كما ورد عند الترمذي من حديث أبي هريرة برقم 569: إذَا رأيتم من يبيع في المسجد او يبتاع فقولوا: لا اربح الله تجارتك.