فهذه البقول في أصلها حلال للنبي - صلى الله عليه وسلم - او لأمته ذلك أنه ورد في رواية رقم 73 من صحيح مسلم: (أنه أُوتي بقدر فيه خضرات ) ؛ (فيه) تعود على القدر، و (خضرات) هي البصل في ورقه وغيره، و (لها) تعود على البقلات ، و ( قربوها إلى بعض أصحابه) هي من قول الرواي، و (فلما رآه) أي الصحابي، و (كره) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكلها . فيستفاد من ذلك أَنَّ الأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الحجية وأنه ليس خاصًا به - صلى الله عليه وسلم - بل هو تشريع لأمته . قوله: (كُلْ) ؛ هي فعل أمر لا تدلل على الوجوب وإنما على الإباحة؛ فالقاعدة الأصولية: أَنَّ الأمر بعد الحظر لا يُدلل على الوجوب، والأمر بعد الاستئذان لا يُدلل على الوجوب. فهل أمره - صلى الله عليه وسلم - هو لتحليل الحرامِ لأصحابه؟ لا؛ إنما امتنع عن الأكل لعلة مركبة، ففي أحاديث أخر: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس -وفي رواية: الإنسان-وفي رواية:بنو آدم) وفيه جواز تعليق الحكم على أكثر من علة؛ فهنا علتان: علةُ أذى الملائكة وعلة أذى المُصلّين . قوله: (فإني اناجي من لا تناجي) ؛ أي أُسارر من لا تُسارر وهم الملائكة. هل يستفاد من هذا أَنَّ الملائكة أفضل من البشر ؟ لا؛ فالتفضيل في التفصيل: فجنس الملائكة خير من جنس البشر؛ لذا قال - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة في كتاب الأذكار قال الله تعالى: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسه ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم ) ، أما المؤمن لوحده فهو أفضل من المَلَكِ لوحده؛ لأن المؤمن يُجاهد نفسه وهواه، اما المَلَكُ فهو مطبوعٌ على طاعة مولاه.