فهرس الكتاب

الصفحة 7762 من 8767

[1] بَابُ الْمَلَاحِمِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

5410 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولُ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بَابُ الْمَلَاحِمِ

بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ الْمَلْحَمَةِ، وَهِيَ الْمَقْتَلَةُ، أَوْ هِيَ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ مَأْخُوذٌ مِنِ اشْتِبَاكِ النَّاسِ وَاخْتِلَاطِهِمْ فِيهَا، كَاشْتِبَاكِ لُحْمَةِ الثَّوْبِ بِالثَّدْيِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ اللَّحْمِ لِكَثْرَةِ لُحُومِ الْقَتْلَى فِيهَا اهـ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعْدِنُ الْجَلَالِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ الْجَمَالِ ; لِكَوْنِهِ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْكَمَالُ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّهِ قَوْلَهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ رَحْمَتِهِ، تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: ( «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) ; وَلِذَا يُنَادَى بَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، بَلِ الْمَلْحَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُ الْمَرْحَمَةِ، كَمَا أَنَّ الْمِحَنَ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ هِيَ الْمِنَحُ وَالْمِنَنُ، وَالْبَلَاءُ عَيْنُ الْوَلَاءِ، وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

5410 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ") بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَيُذَكَّرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ("حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ") أَيْ: كَثِيرَتَانِ أَوْ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ ; لِمَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّغْلِيبِ، إِذِ الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا كَانَتْ جَمَاعَةَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ الْأَكْمَلُ: وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَهُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، ("تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ") أَيْ: حَرْبٌ عَظِيمَةٌ وَقِتَالٌ قَوِيٌّ، ("دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ") أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِئَتَيْنِ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي تَكْفِيرِهِمْ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ، اهـ.

وَفِي كَوْنِ الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَيْهِمْ مُجَرَّدُ دَعْوًى لَا يَخْفَى ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الدَّعْوَى وُصُولُ الْمُدَّعَى، وَحُصُولُ الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تُصْرَفُ إِلَى دَعْوَى الْخِلَافَةِ وَنَحْوَهَا، ("وَحَتَّى يُبْعَثَ") أَيْ: يُرْسَلُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى صَحْنِ الْوُجُودِ، وَيَظْهَرُ ("دَجَّالُونَ") أَيْ: مُبَالِغُونَ فِي فَسَادِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ ("كَذَّابُونَ") أَيْ: عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كُلُّ كَذَّابٍ دَجَّالٌ، يُقَالُ: دَجَلَ فُلَانٌ الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ غَطَّاهُ، وَمِنْهُ أُخِذَ الدَّجَّالُ، وَدَجَلَهُ سَحَرَهُ وَكَذَبَهُ، وَقِيلَ: عَنِ الدَّجَّالِ دَجَّالًا لِتَمْوِيهِهِ عَلَى النَّاسِ وَتَلْبِيسِهِ، يُقَالُ: دَجَلَ إِذَا مَوَّهَ وَلَبَّسَ، ("قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ") ، وَهَذَا لَا يُنَافَى جَزْمُهُ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثُونَ، فَإِنَّهُ إِمَّا مُتَأَخِّرٌ، وَإِمَّا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّقْرِيبُ، وَكَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «وَلَا تُقَوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا» ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّكْثِيرُ، أَوِ الثَلَاثُونَ مُقَيَّدُونَ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِهَا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ السَبْعِينَ غَيْرُ الثَلَاثِينَ، فَتَكْمُلُ الْمِائَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ("كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ") ، وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ ("وَحَتَّى يُقْبَضَ") أَيْ: يُؤْخَذُ وَيُرْفَعُ ("الْعِلْمُ") أَيِ: النَّافِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَيَكْثُرُ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْبِدْعَةِ، ("وَتَكْثُرُ الزَّلَازِلُ") ، أَيِ الْحِسِّيَّةُ وَهِيَ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةُ وَهِيَ أَنْوَاعُ الْبَلِيَّةِ، فَإِنَّ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ فَوْتُ الْعَالَمِ ("وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ") ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ زَمَانَ الْمَهْدِيِّ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ ; فَيَسْتَلِذُّ الْعَيْشَ عِنْدَ ذَلِكَ ; لِانْبِسَاطِ عَدْلِهِ، فَتُسْتَقْصَرُ مُدَّتُهُ ; لِأَنَّهُمْ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ أَيَّامِ الرَّخَاءِ وَإِنْ طَالَتْ، وَيَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الشِّدَّةِ وَإِنْ قَصُرَتْ، ("وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ") أَيْ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ، ("وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ") قِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثْرَتِهِ شُمُولُهُ وَدَوَامُهُ ("وَهُوَ") :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت