1959 - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ"قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -"إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» "مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1959 - (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ") أَيْ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِابْنِ آدَمَ"يُضَاعَفُ"أَيْ ثَوَابُهُ فَضْلًا مِنْهُ - تَعَالَى -"الْحَسَنَةُ"مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ جِنْسُ الْحَسَنَاتِ الشَّامِلُ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ مُضَاعَفٌ وَمُقَابَلٌ"بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] وَهَذَا أَقَلُّ الْمُضَاعَفَةِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَزْدَادُ"إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ"بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ مِثْلٍ، بَلْ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا فِي التَّأْوِيلِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَقَوْلِهِ {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ حَسَنَتُهُ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ كُلُّ، أَوِ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِـ"كُلُّ عَمَلِ"الْحَسَنَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلِذَلِكَ وَضَعَ الْحَسَنَةَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، أَيِ الْحَسَنَاتُ يُضَاعَفُ أَجْرُهَا مِنْ عَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ"قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ"فَإِنَّ ثَوَابَهُ لَا يُقَادِرُ قَدْرَهُ، وَلَا يُحْصِي حَصْرَهُ إِلَّا اللَّهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى خُصُوصِيَّاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكِلُهُ إِلَى مَلَائِكَةِ قُدُسِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُسْتَثْنًى عَنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْكَلَامِ حِكَايَةً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ فِي صَدْرِهِ، بَلْ فِي وَسَطِهِ اهـ. وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَفَادَ الْجُمْلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَتَاهُ الْوَحْيُ أَوِ الْإِلْهَامُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالِاسْتِثْنَاءِ فَحَكَاهُ بِأَلْفَاظِهِ الْمُنَزَّلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاخْتُصَّ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ سِرٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعِبَادُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -"فَإِنَّهُ لِي"لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، إِذْ كَثِيرًا مَا يُوجَدُ الْإِمْسَاكُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الصَّوْمِ، فَلَا مُقَوِّمَ لَهُ إِلَّا النِّيَّةُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَظْهَرَ بِقَوْلِهِ: أَنَا صَائِمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَتَصْحِيحِ نِيَّتِهِ"وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"أَيْ وَأَنَا الْعَالِمُ بِجَزَائِهِ، وَإِلَيَّ أَمْرُهُ، وَلَا أَكِلُهُ إِلَى غَيْرِي، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَعْرِيضَ الْبَدَنِ لِلنُّقْصَانِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى صَرْفِ الْمَالِ وَاشْتِغَالِ الْبَدَنِ بِمَا فِيهِ رِضَاهُ، فَبَيْنَهُ