حقيقة حالنا أننا غرباء، ولا يوجد إنسان في العالم إلا وهو غريب، فالغربة مفروضة.
يحكى أن أعرابيًا سمع رجلًا يتلو قوله سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر:1-2] فقال: قف! بعثوا ورب الكعبة! قال: ما أدراك أنهم بعثوا؟ قال: من قوله: {زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر:2] ، فالزائر لا بد أن يرحل، ولا يوجد ضيف يستقر في محل الزيارة.
ودخل شخص على أبي الدرداء، فنظر في البيت فلم يجد شيئًا، فقال: يا أبا الدرداء! لم أر لك متاعًا في البيت، فقال: صاحب البيت لا يتركنا نجعل متاعًا.
وسالم بن عبد الله دخلوا بيته فلم يجدوا في بيته ما يساوي كذا، فقيل له في ذلك: فقال: الأمر أعجل من هذا.
هذا الكلام في الزهد وترك الدنيا بالنسبة لنا الآن بعيد، وكأنه خيال! فكيف نترك المفروشات والثلاجات، والغسالات والسيارات، فهو شيء بعيد؛ لأن أذواقنا بعدت جدًا، ولأن قلوبنا أصبح بينها وبين هذا الكلام حجاب، فلا يمكن أن نتذوق هذا الكلام، ولكن لنرجع رويدًا ونقول: ماذا سنأخذ من هذا كله؟ ولا أقول لك: تترك هذا كله، ولكن الخطر كل الخطر أن يمتلئ قلبك بكل ما تملك، ولذا فإن بعض العلماء يقول: يا رب! لا تجعل الدنيا في قلوبنا، واجعلها في أكفنا.
كنت أسمع بعض مشايخنا رحمه الله يقول: ما عقدت عقد بيع قط أطلب ربحه، ولا أقرضت قرضًا أنتظر رده.
لو استطاع الإنسان أن يرد نفسه عن التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، يسهل على نفسه الخروج منها، أما إذا كان متعلقًا بها كل التعلق، فإنه يأسف عند الخروج منها، كأناس سافروا إلى بلاد غربة، فواحد منهم اشترى له أرضًا وبنى له قصرًا، فجاءوا ليرجعون ويرحلون، فيقول صاحب الأرض: لا أرجع، وإذا رحل يمشي قليلًا وهو ينظر إلى البستان والقصر غصبًا عنه.
وقوله في هذه الوصية النبوية الكريمة: (كن في الدنيا كأنك غريب) ، معنى الغربة: التزام الأدب، والسلوك الحسن، ولا تعقد الأمل.
ويبلور لنا هذه المعاني الجليلة ابن عمر فيقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) ، لو قدر أن سرية أو مجموعة نزلوا مساءً وخيموا في مكان، فإنهم لا يدرون متى يكون المسير، (وإذا أصبحت لا تنتظر المساء) ، يمكن يأتي الأمر بالسفر في الظهر، أو في الضحى، أو في العصر، ومراد ابن عمر هنا: إذا أمسيت فلا تؤخرن عملًا يجب أن تؤديه في المساء إلى الصباح، وهو راوي حديث الوصية: (ما حق امرئشٍ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) .