في تلك الأثناء جاء نعيم بن مسعود، قال: يا رسول الله إني أسلمت ولم يعلم بإسلامي قومي، فمرني بما تريد؟ قال صلى الله عليه وسلم: أنت رجل فرد، يعني لو حملت السلاح ماذا تفعل، كواحد من الجماعة، ولكن ثبط عنا -الحرب الباردة- فذهب إلى يهود وكان حليفًا لهم، قال: يا معشر يهود لقد تورطتم مع أبي سفيان، ونقضتم العهد الذي بينكم وبين محمد، وأبو سفيان جاء بقريش، وجاء بالعرب من مكة ليس له هنا عشيرة ولا أموال ولا رباع، إن وجدها له استمر، وإن وجدها عليه رجع وترككم مع الرجل ولا طاقة لكم به قالوا: فماذا نفعل؟ وأنت صديقنا فماذا تنصحنا؟ قال: أنصحكم أن تتثبتوا من أبي سفيان، قالوا: بأي شيء؟ قال: اطلبوا منهم أربعين رجلًا يكونون عندكم كرهائن حتى لا يفر ويرجع ويترككم.
قالوا: صدقتنا.
وذهب إلى أبي سفيان فقال: يا أبا سفيان! إن اليهود ندموا على نقض العهد مع محمد، ولن يقاتلوه معك، وقد فكروا في مكيدة وسيطلبون منك أربعين رجلًا رهائن، ليقدموهم لمحمد ليضرب أعناقهم تكفيرًا عن خطئهم في نقض العهد، قال: وما الرأي؟ قال الرأي إذا طلبوا منكم فلا تعطوهم.
قال: صدقتنا.
ومن الغد -وكان ذلك يوم جمعة- أرسل أبو سفيان لليهود طال الحصار، ونريد أن نناجز الرجل، فقالوا: لا يا أبا سفيان، تعلم أن يوم السبت لا نعمل فيه شيئًا، وتعلم ما وقع لأسلافنا في يوم السبت.
معلوم أن الله سبحانه وتعالى مسخهم قردة وخنازير كما في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65] .
فقالوا: يوم السبت لا عمل، ومع ذلك أيضًا لن نقاتل محمدًا معك حتى تقدم لنا رهائن، لئلا تتركنا وتذهب عنا ونبقى مع الرجل وحدنا، فقال أبو سفيان: صدقنا نعيم.
فقال أبو سفيان: والله ما نعطيكم رجلًا واحدًا، فقالوا: صدق نعيم.
ومن الغد وقع النزاع بين الفريقين، وحصلت الفرقة بينهما.
فكلمات قليلة عملت أعظم مما قد يعمله جيش بأكمله، وكانت النهاية أن الله سبحانه وتعالى رد المشركين بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأرسل عليهم الرياح تطفئ نارهم وتكفأ قدورهم وتهدم خيامهم إلى آخره.
إذًا: (ذروة سنامه الجهاد) ، الجهاد يكون بالمال، وبالنفس، وبالكلمة.
وقد يكون بأكثر من هذا، ولكن كل ما يمكن أن يخطر في بالك يدخل في باب المال، تقدم المستشفيات، تقدم العلاج، تقدم السلاح، تقدم اللباس، تقدم أي شيء للغزاة في سبيل الله، يقول صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا) .