ولذا العلماء يقولون: الغيبة والكذب تخرق والاستغفار يرقع، فتخرق الجنة بكذب أو غش أو غيبة، فإذا استغفر رقعت خرقته، والثوب المرقع على كلٍ أحسن من الممزق.
إذًا: تصوير الصوم بأنه جنة كيف يتحقق؟ إذا جئنا إلى النصوص الواردة في الصوم وجدنا أن الإنسان يصوم عن شهوتي الفرج والبطن، حتى حال غيبته عن الناس عندما تثور عنده شهوة المأكل والطعام أمامه فإنه لا يتناوله، وإذا ثارت عنده شهوة الفرج وزوجته الحسناء على فراشه فلا يقربها، وهذا كله امتثالًا لأمر الله عز وجل، كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ، ومن هنا كان الصوم مربي الضمائر، وثمرته التقوى، كما قال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] ، أي: لعلكم أن تكونوا على جانب عظيم من التقوى، وتكون لكم الوقاية من عذاب الله.
ومن هنا أيضًا جاء الحديث: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) ، فالصوم يجعلك في جُنَّة، فلا ترد على من سابك أو شاتمك، فهل يمكن أن تبدأ أنت بالاعتداء؟! لا؛ لأنك بصومك تستجن وتتقي، ولا ترد على من يعتدي عليك، بل من سابك أو شاتمك تقول له: (إني امرؤ صائم) ، أي: لا أستطيع أن أجيبك لأني صائم، صائم عن ماذا؟ صائم عن الحلال الطعام والشراب، فكيف أفطر على هذا المحرم؟ ولهذا جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه: لا يتم صوم العبد حتى تصوم جوارحه.
فالعين تصوم فلا تنظر إلى ما حرم الله، واليد تصوم فلا تمتد إلى ما حرم الله، لا بأخذ مال الناس، ولا بالبطش بالضعفاء، والأذن تصوم فلا تصغي إلى حديث محرم، والرجل تصوم فلا تسعى إلى مكان محرم، والنفس تصوم فلا تتمنى وتحلم أحلام اليقظة في شيءٍ محرم، لأن أحلام اليقظة يمكن أن تجر إلى العمل الفعلي، فيدخل الإنسان في المعصية والإثم ظاهرًا وباطنًا، وتتعود وتتمرن تلك الجوارح شهرًا كاملًا على الصوم، حتى تعتاد هذه الجوارح الطاعة، ولا تنتكس في حمأة المعاصي بسهولة، ولضمان استمرارية هذه الآثار ندبنا الله إلى الإكثار من صيام النافلة.
والنافلة قد تكون مقيدة ومطلقة، فمن المقيد بالزمان نجد صيام ست من شوال، يوم عاشوراء، يوم عرفة، الإثنين والخميس، ثلاثة أيام من كل شهر، ومن الصوم المطلق قوله عليه الصلاة والسلام: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) ، أي يوم كان بدون تحديد.
إذًا: (فالصوم جنة) ، لكن قد تخرق هذه الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم مبينًا ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وكلمة (قول الزور) ، ليست مجرد شهادة زور في المحكمة بين اثنين، بل كل كذب فهو زور، لأنهم يقولون في اللغة: الزور ما كان جانبيًا، تقول: فلان جاء زائرًا، أي: من جانب البيت، وزور الإنسان مع الفم في مؤخر الحلق، فالقول الزور هو القول المنحني عن طريق الحق والاستقامة، فكل قول ليس مستقيمًا مع الحق فهو زور، سواء كان غشًا في مبايعات، أو كان تدليسًا، أو كان كذبًا أو كان إيهامًا، أو كان سبابًا، كل هذا من الزور.