الصفحة 98 من 576

الصور المتنازع فيها التي حكم الحاكم فيها بطريق الإنشاء

أما الصور المجمع عليها كثبوت القيمة في الإتلاف والقتل للقصاص وثبوت الدين عنده في الذمة وعقد القراض وثبوت السرقة للقطع فالثبوت الكامل في هذه الصور جميعها لا يستلزم إنشاء حكم من جهة الحاكم بل أحكام هذه الصور متقررة في أصل الشريعة إجماعا ووظيفة الحكام في هذه الصور إنما هي التنفيذ وسيأتي بيان معناه

وأما فيما عدا التنفيذ فالحاكم والمفتي فيه سواء وليس ها هنا حكم استناب صاحب الشرع فيه الحاكم أصلا ألبتة بل هذه أحكام تتبع أسبابها كان ثم حاكم أم لا نعم الذي يقف على الحاكم التنفيذ مع أنه غير مختص به في الدين وشبهه فأودع المتلف القيمة والمدين الدين وسلم البائع البيع استغنى عن منفذ من حاكم أو غيره وإنما يحتاج إلى الحاكم في الصور المجمع عليها إذا كانت تفتقر إلى نظر واجتهاد وتحرير أسباب كفسخ الأنكحة أو كان تفويضها للناس يؤدي إلى التهارج والقتال كالحدود والتعازير مع أن التعازير من القسم الذي يفتقر إلى نظر واجتهاد في تقدير التعزير بقدر الجناية والجاني والمجني عليه فظهر أن الثبوت غير الحكم قطعا وقد يستلزم الحكم وقد لا يستلزمه وقد تكون الصورة قابلة لاستلزام الحكم وقد لا تكون قابلة كما تقدم بيانه في صور الإجماع

وإن القول بأن الثبوت حكم في جميع الصور خطأ قطعا وأنه يتعين تخصيص هذه العبارة وتأويل كلام العلماء وحمله على معنى صحيح

وقال أيضا في القواعد في الفرق الخامس والعشرين والمائتين اختلف في الحكم والثبوت هل هما معنى واحد أو الثبوت غير الحكم

والعجب أن الثبوت يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت عند الحاكم هلال رمضان وهلال شوال وتثبت طهارة الماء ونجاسته ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع ويثبت التحليل بسبب العقد وليس في ذلك شيء من الحكم وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم والأعم من الشيء غيره بالضرورة ثم الذي يفهم من الثبوت هو مفهوم من الحجة كالبينة وغيرها السالمة من المطاعن فمتى وجد شيء من ذلك فإنه يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القاضي ذلك

وعلى هذا التقدير يوجد الحكم بدون الثبوت أيضا كالحكم بالاجتهاد كإعطاء أمير الجيش الأمان للعدو وكذلك في قسم الحبس بين أهله يجتهد ويفضل أهل الحاجة وإذا أسر الإمام العدو فالإمام مخير في خمسة أشياء وكذلك عقد الصلح بين المسلمين والكفار وتقدير نفقة الزوجة والأولاد وقد أفردت لذلك بابا سيأتي إن شاء الله تعالى

فإذا ثبت هذا علم أن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه ثم ثبوت الحجة مغاير للكلام النفساني الإنشائي الذي هو الحكم كما تقدم بيانه في التعريف بحقيقة الحكم فثبت كونهما غيرين بالضرورة وأن الثبوت هو نهوض الحجة والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام أو إطلاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت