الصفحة 99 من 576

فصل في معنى تنفيذ الحكم وهو على قسمين

تنفيذ حكم نفسه وتنفيذ حكم غيره فالأول معناه الإلزام بالحبس وأخذ المال بيد القوة ودفعه لمستحقه وتخليص سائر الحقوق وإيقاع الطلاق على من يجوز له إيقاعه عليه ونحو ذلك فالتنفيذ غير الثبوت والحكم فالثبوت هو الرتبة الأولى والحكم هو الرتبة الوسطى والتنفيذ هو الرتبة الثالثة

وليس كل الحكام لهم قوة التنفيذ لا سيما الحاكم الضعيف القدرة على الجبابرة فهو ينشئ الإلزام ولا يخطر له تنفيذه لتعذر ذلك عليه فالحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما ألا ترى أن المحكم ليس له قوة التنفيذ وقد تقدم هذا في الرتبة السادسة من رتب الولاية

القسم الثاني تنفيذ حكم غيره وذلك بأن يقول فيما تقدم الحكم فيه من غيره ثبت عندي أنه ثبت عند فلان من الحكام كذا فهذا ليس بحكم من المنفذ ألبتة وكذا إذا قال ثبت عندي أن فلانا حكم بكذا وكذا فليس حكما من هذا المثبت بل لو اعتقد أن ذلك الحكم على خلاف الإجماع صح منه أن يقول ثبت عندي أنه ثبت عند فلان كذا وكذا لأن التصرف الفاسد والحرام قد يثبت عند الحاكم ليرتب عليه موجب ذلك وقد تقدم هذا في النوع السابع من تصرفات الحكام

وبالجملة ليس في التنفيذ حكم ألبتة ولا في الإثبات أن فلانا حكم مساعدة على صحة الحكم السابق فلا يعتد بكثرة الإثبات عند الحكام فهو كله كحكم واحد وهو راجع إلى الحاكم الأول إلا أن يقول الثاني حكمت بما حكم به الأول وألزمت بموجبه ومقتضاه

تنبيه هذا حكم ما إذا كان الحاكم الأول والمنفذ الثاني مذهبهما واحد أما مع اختلاف المذهب فقال المازري إذا ورد على حاكم حكم بأحد المذاهب المشهورة والقاضي الوارد عليه الحكم اعتقاده مذهب آخر فهل يلزمه تنفيذ هذا الحكم وإلزام المحكوم عليه بدفع المال الذي حكم به عليه القاضي وإلزام الزوجة المحكوم عليها بصحة النكاح وتمكين الزوج منها مع أن مقتضى مذهبه هو خلاف ما نفذ به ذلك الحكم

في ذلك قولان أحدهما أنه يقف عن تنفيذه وإبطاله لأنه إن نفذه وألزم المحكوم عليه ما فيه ألزمه ما لا يرى أنه الحق عنده

والثاني أنه ينفذه ويلزم المحكوم عليه ما تضمنه الحكم لأن توقفه عن إنفاذه كإبطاله وقد قلنا إنه ممنوع من نقض الأحكام المجتهد فيها

فصل في المنع من تنفيذ ما حكم به حاكم أهل الذمة وفي الوثائق المجموعة إذا ثبت عند حاكم أصل مطلب بشهادة أهل الذمة وأشهد حاكمهم على ثبوت ذلك عنده مسلمين فإنه لا يجوز لحاكم المسلمين أن ينفذ ذلك لأنه إذا أنفذ ذلك فقد أنفذ شهادة أهل الذمة الدين واحد أما مع اختلاف المذهب فقال المازري إذا ورد على حاكم حكم بأحد ثبت بهم الأصل وإنما شهد المسلمون على حكم حاكمهم فشهادتهم فرع وشهادة أهل الذمة هي الأصل

فائدة فإن قيل ما معنى ما يكتب في التسجيلات قديما وحديثا وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما قلنا كل من اللفظين إذا استعمل وحده فهو بمعنى الآخر فإذا جمع بينهما احتمل أن يكون تأكيدا كقولهم في الوثائق طائعا مختارا وقولهم في صحة منه وسلامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت