الصفحة 8 من 11

بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة لفضيلة الشيخ: أسامة خياط

بتاريخ: 18- 7-1425هـ

وهي بعنوان: شرف المقاصد والوسائل

الحمد لله الموصوف بصفات الكمال والجلال، أحمده سبحانه وهو الكبير المُتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، كريم السجايا جميل الخلال، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أمّا بعد:

فيا عبادَ الله، اتقوا الله واذكروا أنّكم موقفون بين يدَيه، فالسعيدُ من أعدَّ لهذا الموقفِ عدّتَه، متزوِّدًا بخير زادٍ، سالكًا إلى الله في كلّ واد، كادحًا إليه من كلّ طريق، مبتغيًا إليه الوسيلة بكلّ قولٍ وعمل، راجيًا منه القبولَ والمغفرةَ والرّضوان.

أيّها المسلمون، يخطِئ فريقٌ من الناسِ حين يظنّ أنَّ من حقِّه سلوكَ كلِّ سبيل وإعمالَ كلِّ وسيلة واتِّخاذَ أيّ سببٍ يبلُغ به الغايةَ ويصيب به الهدَفَ ويصِل به إلى المراد ما دامَ أنّ الغايةَ طيّبةٌ مقبولة وطالما كان الهدفُ المنشود مشروعًا وكان المراد صحيحًا لا غبارَ عليه، وتلك غفلةٌ عجيبة أو تغافلٌ مقبوح؛ إذِ الحقُّ أنّ سلامةَ الغاياتِ وصوابَ الأهداف وصحّةَ المقاصد يستلزِم في هذه الشريعةِ المباركة أن يكونَ السبيلُ إلى كلِّ أولئك سالمًا وأن تكونَ الوسيلةُ إلى بلوغه أيضًا صحيحةً مشروعة، فلا تُنال الغاياتُ النبيلة بسلوكِ السّبل الملتوية ولا الأهدافُ السّامية بالوسائل المحظورة.

وفي الطليعة من ذلك عبادةُ الله تعالى والازدلاف إليه، فالمسلمُ الحقّ هو الذي يعبد الله على بصيرة، مخلِصًا دينَه لله، مبتغيًا به رضوانَه ونزولَ دارِ كرامتِه إلى جوارِ أوليائه والصّفوة من خلقه، كما قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11] ، وقال عزّ مِن قائِل: قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14] . وهو في عبادته ربَّه متابعٌ رسولَه صلوات الله وسلامه عليه، مقتَدٍ به، مستمسِكٌ بهَديه، حذَرَ أن يحبَطَ عملُه أو يضلَّ سعيُه لقول النبيّ في التحذيرِ من ذلك: (( من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ ) )أخرجه البخاريّ ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، وفي روايةٍ لمسلم عنها رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: (( مَن عمِل عَمَلًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) ). ولذا فإنّ مَن تقرَّب إلى الله بعملٍ لم يجعَله الله ورسولُه قربةً إلى الله فعَمَله كما قال الإمامُ الحافظ ابنُ رجب رحمه الله:"باطل مردود عليه، وهو شبيهٌ بحال الذين كانت صلاتُهم عند البيتِ مُكاءً وتَصدِية أي: صفِيرًا وتَصفيقًا، وما أشبَهَ ذلك منَ المحدثاتِ التي لم يشرَعِ الله ورسولُه التقرّبَ بها بالكلّيّة، بل إنّ العملَ الذي عدَّه الشارع قُربةً في عِبادة لا يكون قربَةً في غيرِها مطلقًا في كلّ الأحوال، فقد رأى النّبيّ رَجلًا قائمًا في الشّمسِ فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نَذَر أن يقومَ ولا يقعُد ولا يستظلَّ ولا يتكلّم ويصوم، فقال النبيّ: (( مروه فليتكلّم وليستظِلّ وليقعُد وليتِمَّ صومَه ) )أخرجه البخاري في صحيحه، فلم يجعَل قيامَه وبروزَه للشمس قربةً يفي بنذرِهما مع أنّ القيامَ عبادة في مواضعَ أُخَر كالصلاة والأذانِ والدّعاء بعرفَة ومع أنّ البروزَ للشمسِ قربةٌ للمحرِم، فدلَّ ذلك على أنه ليس كلُّ ما كان قربةً في موطن يكون قربةً في كلّ المواطن، وإنما يُتَّبع في ذلك ما وردَت به الشريعة في مواضِعِها"انتهى كلامه رحمه الله.

وفي الصّلة بين الرجالِ والنساء الملَبِّيَة لنداءِ الفِطرة لم يجِز الشارعُ كلَّ الوسائل المحرّمة كاتخاذ الأخذان وسائر أنواعِ المعاشرة الواقِعَة خارجَ دائرةِ العلاقة الشرعية القائمةِ على النكاح، كما قال تعالى في صفات المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ [المعارج:29-31] .

وفي اكتسابِ المالِ لإنفاقه في وجوهِ المنافع جاء تحريمُ المكاسِبِ الخبيثةِ الناشئةِ عن الوسائلِ المحرّمَة لكَسب المالِ، ومن ذلك تحريمُ بيع الخمرِ والميتة والخنزيرِ والأصنام، كما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّه سمِع رسولَ الله يقول عامَ الفتح وهو بمكّة: (( إنّ اللهَ حرّم بيعَ الخمر والميتةِ والخنزير والأصنام ) )الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما. ومن ذلك تحريمُ ثمنِ الكلبِ ومَهرِ البغي وهو ما تأخذه ثمنًا للفاحشة وحلوانُ الكاهن وهو ما يأخذه لقاءَ كهانته، فقد جاء النهيُ الصريح عنها في الصحيحين من حديثِ أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. ومن ذلك تحريمُ الربا الذي توعَّد الله مَن أكَلَه وأنذَرَه بقوله عزّ اسمه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278، 279] ، ولَعَن رسولُ الله آكِلَه وموكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيه وقال: (( هم سواء ) )أخرجه مسلم في صحيحه. ومنه تحريمُ كلِّ كسبٍ نَشَأ عن غِشّ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسولَ الله مرّ على صُبرةٍ من طعام ـ وهي الطّعام المجموع إلى بعضه ـ فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بَللًا فقال: (( ما هذا يا صاحب الطعام؟ ) )قال: أصابته السماءُ يا رسول الله، قال: (( أفلا جَعلتَه فوقَ الطعام كَي يراه الناس، من غشَّ فليس مني ) )أخرجه مسلم في صحيحه، إلى غير ذلك من المكاسِب الخبيثة الناشِئة عن الوسائل المحرّمة مما هو مبسوطٌ في موضِعِه من كتب أهل العلم.

وفي التداوي جاء النهيُ عن اتِّخاذ الحرامَ وسيلة وسبيلًا للشفاء، فعن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبيَّ عن الخمرِ فنهاه عنها أو كرِه أن يصنَعَها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (( إنّه ليس بدواء، ولكنه داء ) )أخرجه مسلم في صحيحه. والحكمةُ الباعثة على تحريمِ التداوِي بالخمر وغيره من المحرَّمات هي كما قال العلاّمة الإمام ابن القيم رحمه الله"أنَّ تحريمَ الشيء يقتضي تجنّبَه والبعدَ عنه بكلّ طريق، وفي اتِّخاذه دواءً حضٌّ على الترغيبِ فيه وملابسته، وهذا ضِدّ مقصودِ الشارع، وأيضًا فإنَّ في إباحةِ التداوي به ـ لاسيما إذا كانت النفوس تميل إليه ـ ذريعةً إلى تناوله للشّهوة واللّذّة، وبخاصّةٍ إذا عرفتِ النفوس أنه نافِعٌ لها مزيلٌ لأسقامها جالبٌ لشفائها، وأيضًا فإنّ في هذا الدواءِ المحرَّم من الأدواء ما يزيد على ما يُظنّ فيه من الشّفاء، وإنّ مِن شرط الشفاءِ بالدواء التّلقيَ له بالقبول واعتقادَ منفعته وما جعل الله فيه من بركةِ الشفاء، ومعلومٌ أنّ اعتقادَ المسلم تحريمَ هذه العين هو مما يحول بينَه وبينَ اعتقاد منفعتِها وبركتها وحسن ظنِّه بها وتلقِّيه لها بالقبول، بل كلّما كان العبد أعظمَ إيمانًا كان أكرهَ لها وأسوأَ اعتقادًا فيها، وكان طبعه أكرَهَ شيءٍ لها، فإذا تناولها في هذه الحالِ كانت داءً لا دواء"انتهى كلامه رحمه الله.

عبادَ الله، إنَّ هذا كلَّه ظاهر الدلالة على وجوبِ سلوك السبيلِ الصحيح المشروع لبلوغِ الغاية الصحيحة المشروعةِ، وأنّه لا انفصالَ في ديننا بين الغاياتِ والوسائل، بل إنّ بينهما رباطًا وثيقَ العُرى وطيدَ العلاقة يَجعَل منهما سببًا يُثاب عليه المسلم من عند الله إذا ابتغى بهما وجهَ الله، فإنّ حياة المسلم كلَّها لله ربِّ العالمين كما قال عزّ من قائل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] .

نفعني الله وإيّاكم بهديِ كتابه وبسنّةِ نبيِّه ، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله أحصَى كلَّ شيء عدَدًا، أحمده سبحانه لم يكن له شريكٌ في الملك ولم يتَّخذ صاحبةً ولا وَلدًا، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله نبيّ الرحمة والهدى، اللهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام النُّجبَاء.

أمّا بعد: فيا عبادَ الله، إنّ إعلاءَ كلمةِ الله والنّصرة لدينه والذودَ عن حياضِه مقصدٌ جليل وغايةٌ شريفة وهدَف رفيع للمؤمِن، يبتغي به الوسيلةَ إلى ربّه، ويسعى إلى رضوانِه والحظوةِ بمحبته سبحانَه ونصرته، غيرَ أنّ هذا المقصودَ الصحيح لا يصحّ بلوغه بوسيلةٍ نهى الله عنه وحذَّر عباده منها، ألا وهي السبُّ لآلهة المشركين ومن في حكمهم، لأنّ الثمرةَ المحقَّقة والنتيجةَ الحتميّة لذلك هو مقابلةُ المشركين هذا الأمرَ بمثلِه بسبِّ الله ونسبةِ النقص إليه تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، كما روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة أنه قال: كان المسلمون يسبّون أصنامَ الكفار فيسبّ الكفارُ الله عَدوًا بغير عِلم، فأنزل الله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:108] . وقد جعَل العلامةُ الحافظ ابن كثير رحمه الله ذلك النهيَ مِن تركِ المصلحة لمفسدةٍ أرجحَ منها.

ولما دخل رهطٌ من اليهود على النبيّ قالوا: السامُ عليكم، فقال رسول الله: (( وعليكم ) )، ففطنت إليها عائشة رضي الله عنها فقالت: عليكم السّام واللعنة، وفي لفظ: السّام عليكم ولعَنَكم الله وغضِب عليكم، فقال النبيّ: (( مهلًا يا عائشة، فإنّ الله يحبّ الرفقَ في الأمرِ كلِّه ) )، وفي رواية: (( عليكِ بالرِّفق، وإياك والعنفَ والفحش ) )، قالت: أوَلَم تسمع ما قالوا؟! قال رسول الله: (( فقد قلت: وعليكم ) )، وفي رواية: (( ألم تسمعي ما قلت؟! رددتُ عليهم، فيستجابُ لي فيهم، ولا يستجابُ لهم فيّ ) )أخرجه البخاري في صحيحه. والسام هو الموت، وقيل: هو من السّأَم الذي هو الملَل أي: تسأمون دينكم.

وفي صحيح مسلمٍ عن عمرةَ عنها رضي الله عنها أنّ النبيَّ قال: (( إنّ الله رفيق يحبُّ الرفقَ، ويعطي على الرفقِ ما لا يعطي على العنف ) )، ومعناه أنه يتأتّى مع الرفقِ مِنَ الأمورِ الحسنةِ والعاقبةِ المحمودة ما لا يتأتَّى مثلُه مع العنف.

وفي صحيحِ مسلم أيضًا عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال: (( من يُحرَم الرفقَ يُحرَم الخيرَ كلَّه ) )، وهو خطابٌ نبويّ جامع لا يخرج عنه شيء.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واعمَلوا بهذا التشريع الربانيّ، والزموا هذا الهديَ النبويّ في كل أحوالكم تستقِم أموركم وتبلُغوا غاياتِكم وتحظَوا برضوانِ ربكم.

واذكروا على الدوامِ أنّ الله تعالى قد أمركم بالصلاةِ والسلام على خير الوَرَى فقال جلّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الأربعة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت