أتاكم شهر المرابح
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة لفضيلة الشيخ: أسامة خياط
بتاريخ: 15- 9-1422هـ
والتي تحدث فيها فضيلته عن: رمضان مصدر قوة للمؤمنين
الحمد لله الذي من على عباده بفريضة الصيام، أحمده سبحانه جعل صيام هذا الشهر وقيامه سببًا لمزيد الإكرام والإنعام، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى وصام مخلصًا لله على الدوام، اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه و التابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله وحذار من إضاعة العمر الشريف، والزمان الغالي، والوقت النفيس في كل زبد، فإنه يذهب جُفاء، واصرفوها في كل نافع؛ فإنه يمكث في الأرض ويكتب الله لكم به الرضوان.
أيها المسلمون:
بين لهو الحياة ولغوها، وفي غمرة خطوبها وأحداثها، ووسط سعير صراعها وهجير مطامعها، يشعر المرء بأنه في حاجة إلى ملاذات يتوب إليها، ويتفيَّأ ظلالها، ويأخذ الأهبة، ويعدّ العدة لتجديد العزم، وشحذ الهمة، وتقوية الإرادة، حتى يمضي على الطريق موفورَ الحظ من التوفيق، سالمَ الخطى من العِتْار، بالغًا المرام، وإذا كانت القوة للمسلم زادًا لا غناء له عنه، ورصيدًا لا مناص له منه؛ لأنه عونٌ على الحق، وسبيل إلى التمكين، وطريق إلى الظفر، وباب إلى رضوان الله ومحبته، كما أخبر رسول الله في الحديث بقوله: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) ) [أخرجه مسلم في صحيحه] ، فإن مما لا يرتاب فيه أولو النهى أن كلَّ ما تتحقق به هذه الغاية يتعين الأخذ به، والدأب في طلبه، ولقد كان من وافر نِعَم الله السابغة أن هيأ لعباده من فرص العمر ومواسم الخير ما يبْلغ بهم إلى هذا المراد، وإن فرصة الصيام وموسم رمضان هما في الطليعة من هذه الفرص والمواسم التي يجب على أولي الألباب اغتنامها، والسعي الحثيث إلى اهتبالها، فإن في الصيام مجالًا رحيبًا ومضمارًا واسعًا لإعداد لبنات القوة في مختلف ميادينها ودروبها، فالإمساك بالنهار عن الأكل والشرب والشهوة، وما يصحبه من صبر على رهق الحرمان ومرارة الفقد، وإحياء الليل بالقيام في صبر على نصبه واستدامة على ذلك تنتظم أيام هذا الشهر ولياليَه إلى منتهاها، كل أولئك من أظهر عوامل الدُربة على تقوية الإرادة في تغيير هو مطمح أولي الأبصار، ومبتغى الذين أخبتوا إلى ربهم، وابتغوا إليه الوسيلة بكل سبيل، إنه تغيير في المسار، وتصويب في المسلك، فمن ذُلِّ الخطيئة إلى عِز الطاعة، ومن مهابط العجز والكسل إلى ذُرا الجدّ والعزم، ومن أدران العوائد المقبوحة والسنن المنكورة إلى طُهر وطيب العوائد القويمة والسنن الجميلة والخصال الجليلة. وهكذا فإن في الصيام -يا عباد الله- بعْثًا للقوة التي وهنت أو خمدت، والإرادة التي استنامت أو ذوت، والعزيمة التي خارت أو استكانت، لتكون خير عدة يعتدّ بها لبلوغ الدرجات العلا، والظفر بسعادة العاجلة والعقبى في الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله، إن أيام هذا الشهر تمضي سراعًا، حتى شارفت على انقضاء، وآذنت برحيل، ألا فليستدرك المفرطون ما فات، وليعملوا فيما هو آت، فإن الشقي من حُرم في هذا الشهر رحمةَ الله عز وجل، فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد...