بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة لفضيلة الشيخ: أسامة خياط
بتاريخ: 5- 8-1423هـ
والتي تحدث فيها فضيلته عن: الخشية من الله تعالى
الحمد لله الكافي لمن تولاه، أحمده سبحانه أمر ألا نعبد ولا نخشى إلا إياه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، خير من توكل على مولاه، فأيده وحفظه واصطفاه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه الذين لا يخشون إلا الله.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، فيجزي كل نفس بما كسبت، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7، 8] .
أيها المسلمون، في غمرة الإغراق في الماديات والانصراف إليها والاشتغال بها ينسى المرءُ ما لا يصحّ له نسيانُه، ويغفل عما لا تجوز له الغفلةُ عنه، من أسس الاعتقاد وأصول التوحيد وقواعد الإيمان، فإذا به حين تُحدِق به المخاطر وتطلُّ المحن وتُرتَقَب الخطورة قد ملك عليه أمرَه وأذهله عن نفسه خوفٌ يصرفه عن السعي فيما يصلح شأنه، وخشيةٌ من مستقبلٍ لا يدري ما هو مخبُوء له فيه، وتوجّسٌ من آتٍ لا يتبيّن وجهَه، ولا يتحقَّق صورتَه، ولا يدرك عاقبته، فينتهي به الأمر إلى الخشية ممن لا تصحُّ الخشية منه، وإلى الخوف ممن لا يجور الخوفُ منه، وهل يصح أن ينسى المؤمن توحيده لله وإيمانه؟! وكيف ينسى ذلك وهو يتلو كتاب ربه بالغداة والعشي فيجد أنه سبحانه بيّن فيه هذا التوحيد وحسم كلَّ موادِّ الإشراك به، بأن أمره أن لا يخاف أحدًا إلا الله، وأن لا يرجوَ سواه، فقال عز وجل: إِنَّا أَنزَلْنَا ?لتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ?لنَّبِيُّونَ ?لَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَ?لرَّبَّانِيُّونَ وَ?لأَحْبَارُ بِمَا ?سْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـ?بِ ?للَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ ?لنَّاسَ وَ?خْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِئَايَـ?تِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [المائدة:44] ، وقال عز شانه: إِنَّمَا ذ?لِكُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ، أي: يخوِّفكم بأوليائه كما هو قول الجمهور في معنى الآية.
ولما كانت هذه الخشية من أعلى المقامات وأشرفها وأسمى الصفات وأرفعها فليس عجبًا أن تكون صفةَ الملائكة المقرَّبين الذين قال الله فيهم: يَخَـ?فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] ، وأن تكون أيضًا صفةَ النبيين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين حيث قال سبحانه في شأنهم: ?لَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـ?تِ ?للَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ ?للَّهَ وَكَفَى? بِ?للَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب:39] ، وهي أيضًا مما اتصف به عُمَّار مساجد الله الذين قال الله فيهم: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـ?جِدَ ?للَّهِ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى? ?لزَّكَو?ةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ?للَّهَ فَعَسَى? أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ?لْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] .
عباد الله، إن الخشيةَ لا تكون إلا من الله وحده دون سواه؛ لأنه سبحانه المدبِّر لأمور المخلوقات كلِّها، وهو الحيُّ الذي لا يموت، القيُّوم الذي تقوم به الخلائق كلُّها وتفتقر إليه، أما غيره فهو عاجز فانٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا، فجميع الخلائق ليسوا في الحقيقة غيرَ وسائط لإيصال ما قدَّره الله من أقدار، يبيِّن ذلك أوضحَ بيان قولُ النبي في وصيَّته المشهورة لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف ) )أخرجه أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه واللفظ له، والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح.
وبذا يُعلم خطأُ قول من يقول: إنه يخاف الله ويخاف أيضًا من لا يخاف الله، فإن هذا قولٌ باطل لا يجوز كما بيَّنه أهلُ العلم، بل على العبد أن يخاف الله وحده، وأما من لا يخاف الله فإنه أذلّ من أن يُخشى، وهو ظالم من أولياء الشيطان، والخوف منه قد نهى الله عنه، وأما الخشية مما قد يصدُر عنه من أذى فإنه لا يكون إلا بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفعَ شرِّه دفَعَه؛ لأن الأمر كلَّه له سبحانه، وإنما سُلِّط على العبد بما اجترحه من السيئات، فإذا خشي العبد ربه كمال الخشية واتقاه وتوكَّل عليه وأناب إليه واستغفره كفاه شرَّ كلِّ ذي شر، ولم يسلِّط عليه أحدًا، فإنه سبحانه قال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] ، وقال: وَمَا كَانَ ?للَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ?للَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] .
ألا وإن ثمارَ هذه الخشية بيِّنة، وإن آثارها ظاهرة، فإنها باعث على إخلاص العمل لله تعالى والاستدامة عليه، وطريقٌ إلى العزَّة التي كتبها الله لعباده المؤمنين، وسبيلٌ إلى صيانة النفس عن الذل، وداع إلى التحلي بمحاسن الأخلاق والنفرة من مساوئها، وسببٌ للسعادة في الدارين، وقائدٌ إلى الأمن من الفزع الأكبر وإلى الفوز بالجنة والنجاة من النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ?لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ?لنَّاسُ إِنَّ ?لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَ?خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـ?نًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ?للَّهُ وَنِعْمَ ?لْوَكِيلُ فَ?نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَ?تَّبَعُواْ رِضْو?نَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173، 174] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وليِّ الصالحين، أحمده سبحانه يحبّ من عباده المتوكلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين وخاتم النبيين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله، إن في قول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى ?للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ?لْعُلَمَاء [فاطر:28] دلالةً ظاهرة على أثر العلم بالله في بعث الخشية منه سبحانه، فكلما كان المرء أعلم بالله كان أعظم خشيةً له، وبذا يستبين أثرُ العلم في تربية الخشية، مما يتطلَّب تمامَ العناية بهذا العلم، ويقتضي كمالَ الرعاية وشدةَ الحرص عليه ودوامَ السعي إلى نشره والدعوة إليه.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على النبي المصطفى والرسول المجتبى فقد أمركم بذلك الرب جل وعلا فقال قولًا كريمًا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...