بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة لفضيلة الشيخ: أسامة خياط
بتاريخ: 5- 2-1425هـ
وهي بعنوان: فقيد الدعاة والمجاهدين
الحمد لله ولي الصابرين، أحمده سبحانه، ينصر المؤمنين ويُملي للظالمين المعتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، حذر من عواقب البغي والعدوان، ناصحًا لله، مشفقًا على عباده أجمعين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عبادَ الله، اتقوا الله وابتَغوا إليه الوسيلة بتوحيده وذكره وشكره وحسن عبادته والنزول على حكمه والتسليم لأمره.
أيّها المسلمون، إنَّ حُسنَ الخاتمة للمرء أملٌ تصبو إليه نفوسُ أولي الألباب وتهفو إليه قلوبهم وترنو إليه أبصارهم؛ لأنّ انتهاءَ هذه الحياةِ الدنيا وانقضاءها بالموت الذي كتبه الله على كلِّ من عاش على الغبراء حيث قال سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26، 27] ، وقال في خطابه لعبده ورسوله وخيرته من خلقِه محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليه قال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34] ، إنّ هذه النهايةَ المحتومة باعثٌ لهم على ختم صحائفِ الأعمال بأشرف ما تُختَم به من كنوز الأعمالِ وأرصِدة الباقياتِ الصالحات؛ لأنّهم يذكرون على الدوام قولَ رسول الله في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: (( يبعَث كلُّ عبدٍ على ما مات عليه ) )، وهذا يقتضي أن يبذلَ المرءُ لدينه وأن يجودَ لربِّه في إخلاصٍ له ومتابعةٍ لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، ولا ريبَ أنّ روحَه التي بين جنبيه هي أقصى ما يجود به، ولذا كان للشهادةِ في سبيل الله هذا المقامُ الرفيع الذي بيَّنه سبحانه بقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171] .
فليس عجبًا إذًا أن تتوالي مواكبُ الشهداء الأبرار في تاريخ هذه الأمةِ المسلِمة أملًا في بلوغ هذه المنزلةِ والظفَر بهذا الموعود، ولقد كان فقيدُ الدعاةِ والمجاهدين أحمدُ ياسين رحمه الله من أولئك الذين سعَوا بمقالِهم وفِعالهم إلى الحظوةِ بهذا المقامِ بإصرارٍ وشموخ، أحسَبه ونحسبه جميعًا كذلك، والله حسيبُه، ولا نزكِّي على الله أحدًا.
عبادَ الله، إنّ هذا العملَ الإجراميَّ الظالمَ الذي ذهب ضحيّتَه هذا الرجلُ المقعَد المريض يقدِّم دليلًا صارخًا جديدًا يُضاف إلى ما سبَق من أدلّة تصوِّر كلُّها هذا الإرهابَ الذي يمارَس صباحَ مساءَ على ثرى أرضِ الإسراء والمعراج في أحداثٍ دامية، يتفطّر لها القلب أسًى، وكلُّ ذلك بدعوى حقِّ الدفاع عن النفس زعموا، وإذا كان للغاصِب الباغي والمعتدِي هذا الحقُّ فأين حقُّ المظلوم الذي اغتُصِبت أرضه ودنِّست مقدَّساته وسُفِك دمه وشرِّد أبناؤه؟! أليس له حقُّ الدفاع عن نفسه؟! وأين حقوقُ الإنسان إذًا مِن كلّ هذا؟! أليس فيها ما يتَّسع للمسلمين من أبناء فلسطين؟! وما مبلغُ الصّدق في دعاوى العدالة وسِيادة القانون وغيرها من الشعارات التي يرفعونها؟!
عبادَ الله، إنّ على كلّ مسلمٍ حزَّت فؤادَه هذه الجريمةُ النكراء وغيرها ممّا سبقَها يجب أن لا يغفل أبدًا عن أنّ من بديع التدبير ومحكَم التقدير أنّ الله يُملي للظالم حتى يزدادَ إثمًا وبغيًا وغرقًا في بحر سيّئاته، ثم بعد ذلك يأخذه أخذَ عزيز مقتدِر، يأخذه أخذًا لا منجَى له منه، كما جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: (( إن الله تعالى ليملي للظالمِ حتى إذا أخذَه لم يفلته ) )، ثم قرأ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] .
إنّه آيةٌ بيِّنة على الكيد المتين كما قال سبحانه: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45] ، وصدَق سبحانه إذ يقول: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] .
نفعني الله وإيّاكم بهدي كتابه وبسنّة نبيّه محمد ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله إمام المتقين وقائد الغرِّ المحجلين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد: فيا عبادَ الله، إنَّ الوصية بالصبر عندَ نزول المحَن وتتابُع الرزايا ليس أمرًا باتِّخاذ السلبيّة مطيّةً ولا باتِّخاذ التقاعُس والقعود عن أداء ما يجب مركبًا، بل هي استجابة لأمر الله القائلِ لنبيِّه صلوات الله وسلامه عليه: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] ، وهي استجابة لأمر الله القائل له أيضا: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35] ، ولِما فيه من توحيدٍ لله تعالى وإيمانٍ بقضائه وقدَره وكبتٍ وكمَد لعدوِّه وقهرٍ لشيطانه وهمزاتِه وقمعٍ لحديث نفسِه وتقويةٍ لقلبِه وشحذٍ لعزمه وظفَر بأجره الذي بيّنه سبحانه بقوله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] .
ولذا كان أمرُ المؤمن كلّه خيرًا له في السراء والضراء، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحِه عن صهيب بن سنان رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابَه سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صَبر فكان خيرًا له ) ).
ألا فاتَّقوا الله عبادَ الله، وكونوا على الدوامِ مع الصابرين، واذكروا أنّ الله تعالى قد أمركم بالصلاة والسلام على خير الأنام، فقال في أصدق الحديث وأحسن الكلام: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الأربعة...