فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 389

مخلد عن زكرياء بن إسحاق [1] عن يحيى بن عبد الله بن صيفي [2] عن أبي معبد [3] عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه (وسلم) بعث معاذًا إلى اليمن فقال:"إنك تأتي قوما أهل كتاب، فقل لهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإن أجابوك بذلك فاقبل منهم وأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم فإنه ليس لها دون الله حجاب" [4] . اهـ.

2 - (117) أخبرنا محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن حنبل، ح/ وأنبا محمد بن عبد الله بن معروف، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ح/ وأخبرني أبي، حدثني أبي، ثنا أبو كريب [5] ، ح/ وأنبا محمد بن عبد الله بن معروف، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ح/ وأنبا عمرو بن محمد بن منصور، ثنا الحسين بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم قالوا: أنبا وكيع بن الجراح، ثنا زكريا بن إسحاق المكي، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه (وسلم) لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن فقال:"إنك تأتي قومًا أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" [6] . اهـ.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في حديثه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن عباس عن معاذ بن جبل فحدثت به أبي، فقال: حدثنا به وكيع مرتين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه (وسلم) بعث معاذا إلى اليمن. اهـ. رواه جماعة عن زكرياء بن إسحاق، منهم سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك [7] ، وبشر بن السري [8] ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى. اهـ.

ورواه إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه (وسلم) بعث معاذا [9] . اهـ.

ورواه عن إسماعيل، روح بن القاسم [10] ، والفضل بن علاء وغيرهما، ولم يذكر واحد منهم عن ابن عباس عن معاذ، إلا في رواية ابن أبي شيبة عن وكيع، وربما قال في حديثه عن ابن عباس عن معاذ، وربما قال عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه (وسلم) بعث معاذا، وكذلك رواية إسحاق ابن راهويه وأبي كريب وجماعة نحو رواية أحمد بن حنبل عن وكيع. اهـ. وهذا حديث مجمع على صحته من هذه الطرق كلها. واختلفوا في ألفاظها عن ابن عباس فقيل عنه: فإذا علموا. أو عرفوا. وقيل: فإن هم أطاعوك. وروى ابن عمر وأبو هريرة: فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وفي حديث أبي بكر وعمر رضي الله عنهم: فإذا قالوها [11] . اهـ.

(1) زكرياء بن إسحاق المكي، ثقة، رمي بالقدر، من السادسة، روى له الجماعة. تقريب 1/ 261.

(2) يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفي، المكي، ثقة. تهذيب 11/ 242.

(3) أبو معبد اسمه نافذ، مولى ابن عباس حجازي، ثقة، مات سنة أربع ومائة. تهذيب 10/ 404.

(4) في إسناد ابن مندة إسحاق بن سيار لم يوثق، ولكن الحديث صحيح أخرجه: م/ في الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام 1/ 51 ح 30 من طريق ابن أبي عمر ثنا بشر بن السري ثنا زكرياء بن إسحاق، ح/ وثنا عبد بن حميد ثنا أبو عاصم وقال: بمثل حديث وكيع، وهو الحديث الآتي رقم"2"وقد سقط من هذا الحديث جملة هي: فأعلمهم أن الله افترض عليه خمس صلوات، وهي ثابتة في حديث وكيع.

(5) أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الهمداني تقدم.

(6) إسناده صحيح، وأخرجه: م/ في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن وكيع به. جه/ في الزكاة، باب فرض الزكاة 1/ 568 ح 1783. س/ في الزكاة، باب وجوب الزكاة 5/ 1.

(7) رواية ابن المبارك، وصلها خ/ في الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، فتح الباري 3/ 357 ح 1496.

(8) رواية بشر بن السري، وصلها م/ في الإيمان 1/ 51 ح 30.

(9) هي الرواية الآتية ص 257 ح رقم"1".

(10) وصلها خ/ في الزكاة، باب 41 لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، فتح الباري 3/ 322 ح 1458.

(11) التعليق:

أراد المصنف بهذه الترجمة بيان أن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى التوحيد والدخول في الإسلام قبل القتال، وأنه كان يأمر من يبعثهم إلى دعوة الناس إلى الإسلام أن يبدءوا من الأمور بالأهم منها، فذكر لمعاذ رضي الله عنه أن يبدأ أولا بدعوة الناس إلى الشهادتين لأنهما الأصل الذي لا يقبل من أحد عمل قبل وجودهما، ثم أتبع ذلك بالصلاة ثم الزكاة ... كما تضمن الحديث وصية الإمام بمن دخل في الإسلام خيرا وأن لا يظلم أحدا منهم ... فإن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا:"دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه"قال ابن حجر:"إسناده حسن".

ويقول النووي في شرح حديث معاذ 1/ 197:"وفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به".

قلت: وهو الصواب الذي يجب أن يصار إليه، ذلك أن كثيرًا من العقائد ثبتت بخبر الآحاد، وأوضح دليل على ذلك خبر معاذ هذا، فقد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى أصل التوحيد وهو الإقرار لله بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وقامت الحجة على من بلغته دعوة معاذ باليمن، ولم ينقل عن أحد القول بأن الحجة لم تقم عليهم بإرسال معاذ إليهم لأنه واحد والعقيدة لا تثبت إلا بالخبر المتواتر.

ومثل حديث معاذ حديث ضمام بن ثعلبة الذي أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ما جاء في العلم ... فتح الباري 1/ 148 ح 63 كما أخرجه ابن مندة هنا في فصل 32 ذكر بيعة النبي أصحابه على الشهادتين .... وفيه بعد أن سأل ضمام الرسول صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام وأخبره بها، قال: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة، قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث 1/ 153:"وفيه من الفوائد غير ما تقدم العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتًا لأنه قصد اللقاء والمشافهة كما يرى الحاكم، وقد رجع ضمام إلى قومه وحده فصدقوه وآمنوا كما وقع في حديث ابن عباس. اهـ."

قلت: ومن هذا الباب الكُتُب التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام، فقد كتب لقيصر وكسرى يدعوهما إلى الإسلام.

وهذا يبين لنا أن الصحابة والتابعين والأئمة وأهل الحديث كانوا لا يفرقون بين الثابت من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بين عقيدة وعمل، فكل ما ثبت عندهم صحته وجب الأخذ به سواء أكان متواترًا أم آحادًا في عقيدة أو عمل، وذلك لأن العمل نفسه لا يصدر إلا عن عقيدة، وإلا فإذا كان الإنسان يعمل بخلاف ما يعتقد كان عمله وبالًا عليه لمخالفة ظاهره لما يعتقده.

والذي يظهر - والله أعلم - أنه ارتبطت بأذهان كثير من المعاصرين القائلين بأن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة ناحية سلبية، وهي أنه يلزم من ذلك القول بتكفير من لم يعتقد ذلك.

والأمر بخلاف ما توهموا، فالدعوة إلى الإسلام هي لإدخاله الناس فيه وليست لإخراج المسلمين منه، وإذا نظرت في أقوال سلف الأمة لم تجد أحدا ممن يثبت العقيدة بخبر الآحاد كفر من لم ير ذلك، وما ذلك إلا لأنه قامت عند المخالف شبهة فعذر بشبهته، ودليل ذلك من الأمر الواقع، فالمعتزلة خالفوا أهل السنة في إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة، والرؤية ثابتة بالسنة الصحيحة ويدل لذلك ظاهر القرآن.

ومع ذلك لم يعرف عن أهل السنة أنهم كفروا المعتزلة في هذه المسألة.

ومن حجج المعتزلة في رد أحاديث الرؤية أنها أخبار آحاد ومسألة الرؤية طريقها القطع، يقول القاضي عبد الجبار في المغني 4/ 222 - 227:"إن جميع ما رووه وذكروه أخبار آحاد، ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم، لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به، ويصح كونه كاذبا فيه، ولا يجوز أن ندين ونقطع على الشيء من وجه يجوز الغلط فيه ..."إلى أن قال:"وإنما يعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين، وما يصح أن يتبع العمل به غالب الظن، فأما ما عداه فإن قبوله فيه لا يصح ولذلك لا يرجع إليه في معرفة التوحيد والعدل وسائر أصول الدين، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الأخبار ولو كانت صحيحة السند سليمة من الطعن في الرواة، فكيف وقد طعن أهل العلم في رواتها وذكروا من حالهم ما يمنع من الرجوع إلى خبرهم، ثم أورد الطعون التي يشير إليها إلى أن اتهم أبا هريرة رضي الله عنه بالتساهل فيما كان يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلطه ما كان يرويه عنه بأمور يرويها عن غيره". اهـ. قلت: وأخرج أحاديث الرؤية البخاري ومسلم وغيرهما وتأتي في فصل إثبات الرؤية والذي يظهر أن أول قائل برد خبر الآحاد في الاحتجاج به في العقيدة هم المعتزلة، لإثبات رأي رأوه مبنيّ على قواعد كلامية عقلية ليردوا نصوصًا شرعية ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم واتفق أهل السنة والجماعة على الاحتجاج بها، ثم تلقى الناس عنهم هذه المقالة بالقبول، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت