فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 389

يوسف [1] ، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير [2] ، حدثني هلال بن أبي ميمونة [3] ، حدثني عطاء بن يسار [4] عن معاوية بن الحكم قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه (وسلم) إذ طلعت غنيمة لي ترعاها جارية لي قبل أحد والجوانية، فوجدت الذئب ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم آسف كما ياسفون، فصككتها صكة، ثم انصرفت إلى النبي صلى الله عليه (وسلم) فأخبرته، فعظم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال:"ادعها"، فقال لها:"أين [5] الله؟"قالت: في السماء، قال:"من أنا؟"قالت: أنت رسول الله، قال:"أعتقها فإنها مؤمنة". اهـ. هذا حديث أخرجه مسلم [6] والجماعة، إلا البخاري. اهـ.

(1) هو الفريابي نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقة فاضل، يقال أخطأ في شيء من حديث سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة، أخرج له الشيخان. تقريب 2/ 221.

(2) يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل بعدها، تهذيب 11/ 268، تقريب 2/ 356.

(3) هو هلال بن علي بن أسامة ويقال هلال بن أبي ميمونة، ثقة من الخامسة، مات سنة بضع عشرة روى له الجماعة، تهذيب 11/ 82، تقريب 2/ 324.

(4) عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثقة فاضل، مات سنة أربع وتسعين، أو ثلاث أو أربع ومائة. تهذيب 7/ 217، تقريب 2/ 23.

غريب الحديث:"الجوانية"موضع شمال المدينة قرب أحد.

"آسف ..."أي أغضب كما يغضبون، والأسف الحزن والغضب.

"فصككتها"أي ضربتها بيدي مبسوطة، وفي الموطأ: فلطمت وجهها.

(5) في م/ فأتيته بها فقال لها ..."."

(6) في المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ... 1/ 381 ح 33 من طريق أبي جعفر محمد بن الصباح وأبي بكر ابن أبي شيبة قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير به. د/ في الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة 1/ 573 ح 931. حم 5/ 447، 448، 449. الموطأ/ في العتق، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة، ص 485، ح/ 8 من طريق هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول الله ... الحديث، فقوله:"عن عمر بن الحكم"يقول الزرقاني في شرح الموطأ 4/ 84 قال ابن عبد البر:"كذا قال مالك، وهو وهم عند جميع علماء الحديث، وليس في الصحابة عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، كما قال كل من روى هذا الحديث عن هلال أو غيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة وحديثه هذا معروف، وأما عمر بن الحكم فتابعي أنصاري مدني معروف. يعني فلا يصح أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن لي جارية".اهـ.

وابن خزيمة/ في التوحيد، باب ذكر الدليل على أن الإقرار بأن الله عز وجل في السماء من الإيمان، ص 121.

التعليق:

هذا الحديث يدل على ما يذهب إليه السلف من إثبات العلو لله تعالى علو الذات، وعلو القدر، وعلو المكانة، كما قال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْض} "سورة الملك: الآية 16"، وقوله تعالى: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} "الملك: الآية 17"

فهاتان الآيتان تبينان أن الله تعالى في السماء دون الأرض، وليس معنى"في"في قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} أن السماء ظرف له تعالى محيط به، وإنما هي من جنس قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الأرْضِ} براءة/آية 2. وقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} "طه: الآية 71"فـ"في"بمعنى"على"، ومما يؤكد معنى العلو ويوضحه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} "النحل: الآيتان 49، 50"فالآية الثانية تبين لنا أن الله تبارك وتعالى، فوق جميع مخلوقاته من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات جميعا، وأن الملائكة يخافون ربهم الذي هو فوقهم، فهو تعالى فوق السماوات والأرض وما فيهما.

يزيد ذلك وضوحا آيات الاستواء على العرش. فالعرش أعلى المخلوقات جميعًا فهو سبحانه وتعالى مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله كما أخبرنا بذلك في كتابه العزيز، وهو أعلم بما يليق بجلاله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك من جميع خلقه، وليس الله تعالى محتاجا إلى العرش بل العرش وما تحته محمول بقدرته تعالى.

ومن السنة المؤكدة أن الله تعالى في السماء دون الأرض، أحاديث المعراج الثابتة في الصحيحين وغيرهما، أن جبريل عليه السلام صعد بمحمد صلى الله عليه وسلم من الأرض إلى سماء الدنيا ثم من سماء إلى سماء إلى أن بلغ سدرة المنتهى وهناك كلمه ربه وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس.

كل ذلك يرد على الجهمية المعطلة الذين يزعمون أن الله تعالى في كل موضع من أرض وسماء وأنه في كل مكان، ولو كان في كل مكان كما يزعمون لما كان هناك معنى لقوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} الأعراف/ آية 143، فلو كان الله تعالى في كل مكان كما يزعمون لكان متجليًا لكل شيء ولجعله دكًا، كما جعل الجبل حين تجلى له دكا. والمشاهد خلاف ذلك، وهذا ما يشير إليه المصنف في الترجمة من أن الله تعالى في السماء دون الأرض، ليرد بهذا الحديث على الجهمية القائلين بهذا القول الباطل، وعلى الأشعرية والماتريدية القائلين بأن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ... الخ تلك الأوصاف المعبرة عن معدوم لا موجود والله تعالى متصف بالوجود الذي لا شك فيه، ولكن أولئك أرادوا تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين ولكنهم سلكوا طريقًا أدت بهم إلى مثل ما فروا منه، تلك هي طريق علم الكلام، وتركوا طريق سلف الأمة وهي التمسك بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه بل ردوها، يقول الآمدي في غاية المرام في علم الكلام ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 1393 هـ 1971 م محاولا نفي الجهة لله تعالى وهي جهة العلو كما تقدم بيان ذلك من الآيات والسنة قال في ص 200:"ولعل الخصم قد يتمسك هاهنا بظواهر من الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة وهي بأسرها ظنية ولا يسوغ استعمالها في المسائل القطعية، فلهذا آثرنا الإعراض عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها".

ويقول صاحب الجوهرة:

ويستحيل ضد ذي الصفاتفي حقه كالكون في الجهات

يقول الشارح:"قوله كالكون في الجهات أي ككونه تعالى في جهة من الجهات الست". ص 60. اهـ.

ولكن منهج سلف الأمة ومنهم الأئمة الأربعة بالنسبة لجميع الصفات الإيمان بها حقيقة لا مجازًا على الأسس الثلاثة التي هي:

أولا: إثباتها.

ثانيًا: التنزيه عن مشابهة المخلوقات كما في آية سورة الشورى، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

ثالثًا: اليأس من إدراك كيفيتها على حد آية سورة طه {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وذلك لأن الكلام على هذا الباب مبني على أصلين ومثلين:

فالأول من الأصلين: الكلام على الصفات فرع عن الكلام عن الذات، ومعنى ذلك أنه يلزم كل من آمن بوجود الله الإيمان بصفاته.

والثاني: أن الإيمان ببعض الصفات يوجب الإيمان بالبعض الآخر.

أما المثلان فهما: الأول: الروح، ومعنى ذلك أننا نؤمن بوجود الروح مع أننا لا نعلم كيفيتها، فكذلك يجب علينا الإيمان بصفات الله وإن لم ندرك كيفيتها.

والثاني: نعيم الجنة من لبن وعسل وغيره، فنحن نؤمن بذلك مع جهلنا بكيفيته، ولذلك أجاب الإمام مالك بن أنس رحمه الله، من سأله عن الاستواء كيف استوى؟ قال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت