5 - (372) أنبا محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه (وسلم) قال:"ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" [1] . اهـ.
هذا حديث مجمع على صحته من حديث الليث، رواه ابن يوسف وجماعة [2] . اهـ.
(1) في إسناد ابن مندة من لم نجد ترجمته، والحديث صحيح أخرجه: خ/ في فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، فتح الباري 9/ 3 ح 4981 من طريق عبد الله بن يوسف ثنا الليث به. وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بجوامع الكلم، فتح الباري 13/ 247 ح 7274 من طريق عبد العزيز بن عبد الله ثنا الليث به. م/ في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته 1/ 134 ح 239 من طريق قتيبة بن سعيد ثنا ليث به. حم 1/ 341 من طريق يونس وحجاج قالا ثنا ليث به، 10/ 451 من طريق حجاج ثنا ليث به.
(2) التعليق:
أورد المصنف تحت هذه الترجمة روايات حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن أولى بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحي الموتى، وفيه قوله: يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وذلك إشارة إلى قوله تعالى في سورة هود في قصة لوط وقومه مع ضيوفه حين أرادوا أن يعملوا معهم الفاحشة وضاق ذرعا بمدافعتهم قال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} .
وفيه قوله عن يوسف عليه السلام:"ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي"، إشارة إلى قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} .
فما درجات الأنبياء في الوساوس مع اليقين في هذا الحديث؟
أولا: إبراهيم عليه السلام، يقول ابن حجر في شرح الحديث فتح الباري 6/ 411:"اختلف السلف في المراد بالشك هنا فحمله بعضهم على ظاهره وقال كان ذلك قبل النبوة وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت، واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن ابن عباس قال:"أرجى آية في القرآن هذه الآية {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} الآية قال ابن عباس:"هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال: بلى"، وإلى ذلك جنح عطاء فروى ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، سألت عطاء عن هذه الآية قال:"دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ذلك"، ثم نقل أقوالا أخرى إلى أن قال:"وقال ابن عطية: ترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون شك إبراهيم في القدرة وذكر أثر ابن عباس وعطاء، قال ابن عطية ومحمل قول ابن عباس عندي (أنها أرجى آية) لما فيها من الإدلال على الله وسؤاله الإحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث قال: ومجمل قول عطاء (دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس) أي من طلب المعاينة، قال: وأما الحديث فمبني على نفي الشك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين ا لأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر فهو منفي عن الخليل قطعا لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة قال: وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسؤول كما تقول: كيف علم فلان؟ فكيف في الآية سؤال عن هيئة الإحياء لا عن نفس الإحياء فإنه ثابت مقرر". اهـ.
ثانيا: وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول ابن حجر في شرح الحديث أيضا ثم اختلفوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم"نحن أحق بالشك"فقال بعضهم معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم، وقيل معناه: إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم وهو كقوله في حديث عند مسلم"أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، قال ذلك إبراهيم"إلى أن قال: وقال ابن الجوزي: إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث فقال: أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك". اهـ."
ثالثا: وأما لوط عليه السلام فقصته مع قومه، يدل سياقها أنه حدث منه نوع لا يتجاوز الخاطر العارض يشعر بذلك قوله تعالى: {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} ويقصد بالركن الشديد عشيرته وقومه، وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الركن بالله تعالى حيث قال لقد كان يأوي إلى ركن شديد أي إلى الله تبارك وتعالى، فكأنه عليه السلام لشدة ما هاله من أذى قومه له في ضيفه حتى أنه قال كما حكاه الله عنه هذا يوم عصيب، وضاق بهم ذرعا لذلك طرأ ذلك منه، والله أعلم.
رابعا: أما يوسف عليه السلام فقد أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بشدة الصبر حيث لم يبادر إلى الخروج من السجن وإنما طلب البراءة أولا.
قال ابن حجر:"وإنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تواضعا، والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وجلالا وقيل هو من جنس قوله: لا تفضلوني على يونس، وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع". اهـ. وبعد هذه الدراسة تظهر لنا مناسبة الحديث للترجمة بالنسبة لبعض الأنبياء.
أما حديث أبي هريرة الخامس وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ..". الحديث فمناسبته للترجمة من حيث إن الحديث تضمن تفاوت الأنبياء، كما أنه تضمن عدم جزمه بأنه أكثرهم تابعا، وقد جاء في نصوص أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعا. والله أعلم.