الأقلام وكاد أن يقتل، وقد تكلم الحافظ أبو عبد الله بن مندة في أبي نعيم وكان بينهما واقع، قال شيخنا العلامة أبو العباس [1] :"وقع بين أبي نعيم الأصبهاني، وأبي عبد الله بن مندة في مسألة اللفظ ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية ومال فيه إلى جانب النفاه القائلين بأن التلاوة مخلوقة, كما مال ابن مندة إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقة وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قصده كل منهما من الحق وجد فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه"1 هـ.
قلت هذه المسألة وهي القول في التلاوة هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة وقع فيها خلاف بين العلماء القدامى كالبخاري [2] وغيره، ومن أجل ذلك ألف البخاري كتابه خلق أفعال العباد. والمسألة تحتمل وجهين عند علماء السلف وكلاهما حق:
الأول: إن قصد بالتلاوة نفس المتلو وهو القرآن فهذا غير مخلوق، وهذا ما قصده ابن مندة في كتابه الرد على اللفظية.
الثاني: إذا قصد بالتلاوة الصوت الصادر من العبد فهذا مخلوق، وهو ما يقصده أبو نعيم في رسالته الرد على اللفظية، والحلولية وكل واحد منهما قصد الحق فيما قاله، وله دليل من أقوال الأئمة على ما ذهب إليه.
كما نقل ذلك ابن عبد الهادي وكلاهما على مذهب السلف.
راجع العلو للذهبي ص 308 لتعرف عقيدة أبي نعيم، فقد بين عقيدته وأنه يذهب مذهب السلف في جميع ما يعتقدون، خلافا لما رآه صاحب كتاب كذب المفتري إذ عده من أصحاب أبي الحسن الأشعري.
مذهبه في الفروع:
ابن مندة من كبار العلماء وأعلام الحفاظ للسنة المطهرة، والمفسر لكتاب الله تعالى ومن بلغ هذه الرتبة في العلم لا يكون مقلدًا، وإنما يكون من العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد فيختار حسب الدليل الثابت عنده، وابن مندة من هؤلاء العلماء، وقد ترجم له أبو يعلى في طبقات الحنابلة مما يدل على أنه يرى أنه حنبلي المذهب، وهذا لا يبعد فالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يدور مذهبه مع الأثر
الفصل الخامس: وفاته ورثاء الناس له
نهاية المطاف رجع ابن مندة الى وطنه أصبهان بعد رحلته الطويلة فقد بدأت رحلته سنة ثلاثين وثلاثمائة أو قبلها، ثم عاد سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فمدة رحلته خمس وأربعون سنة.
قال الحاكم:"التقينا ببخارى سنة إحدى وستين وقد زاد زيادة ظاهرة، ثم جاءنا إلى نيسابور سنة خمس وسبعين ذاهبا إلى وطنه".
هذا كلام الذهبي في تذكرة الحفاظ [3] .
ويقول في سير أعلام النبلاء:"بقي ابن مندة في الرحلة بضعا وثلاثين سنة وأقام زمانا بما وراء النهر. وكان ربما عمل التجارة، ثم رجع إلى بلده وقد صار في عشر السبعين، فولد له أربعة بنين عبد الرحمن، وعبيد الله، وعبد الرحيم، وعبد الوهاب. قال يحي بن مندة: وأم أولاد أبي عبدالله هي أسماء بنت أبي سعيد بن محمد بن عبد الله الشيباني، ولها بنتان من أبي منصور الأصبهاني" [4] .
فالذهبي نقل كلام الحاكم في التذكرة حيث قال: بدأ ابن مندة الرحلة في الثلاثين أو قبلها ثم عاد إلى وطنه سنة خمس وسبعين.
فعلى هذا تكون الرحلة خمسا وأربعين سنة، لا بضعا وثلاثين كما ذكر في سير أعلام النبلاء. إلا إن كان ابن مندة عاد إلى وطنه بعد الرحلة الأولى فبقى فترة في وطنه ثم استأنف الرحلة، وأراد الذهبي هذه الرحلة الطويلة فقد قال تلميذه الباطرقاني:"سمعت أبا عبد الله يقول: طفت الشرق والغرب مرتين" [5] . والله أعلم.
وفاته:
توفي ليلة الجمعة سلخ ذي القعدة من سنة خمس وتسعين وثلاثمائة [6] ، ودفن من الغد بعد صلاة الجمعة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم و دفن بمقبرة دولكاباز - أو باذ - خارج باب درزى وقبره مشهور.
وقد رثاه بعد وفاته غير واحد من شعراء وقته قال الخلال: فمنه ما أنشدنا أبو القاسم عبد الرحمن بن
(1) أبو العباس، هو شيخ الإسلام ابن تيمية، أنظر الفتاوى 12/ 209.
(2) انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 12/ 207.
(4) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 8، 9.
(5) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 8، 9.
(6) أخبار أصبهان 2/ 306. وتاريخ دمشق، 15/ ورقة 34/ 2.وسير أعلام النبلاء 11/ ورقة 7 ولم تختلف المراجع التي ذكرت ترجمته وتقدمت ص 23 في أن وفاته سنة ثلاثمائة وخمس وتسعين. ما عدا المنتظم لابن الجوزي 7/ 232 - 233، وابن كثير في البداية 11/ 336، وابن الأثير في الكامل فقد ذكروا أن وفاته سنة 396 هـ.