ولذلك أمثلة متعددة يمكن ترجعون إلى"هدي الساري" [1] ، الحافظ ذكر أن هذا منهج الإمام مسلم وضرب له أمثلة، إذًا حتى الحافظ ابن حجر كما ذكرنا ممن يرى أن الإمام مسلم أخرج أحاديث مُعلَّة بدليل هذين الموطنين في"هدي الساري".
الطريقة الخامسة: من طرائق الإمام في بيان العلة أن يذكر الشيء وضده.
سواء كان الاختلاف في الإسناد كأن يكون الحديث روي موصولًا مرسلًا ومتصلًا، موقوفًا ومرفوعًا، فيخرج الوجهين ليبين أن فيه خلاف، وأن هذا الحديث فيه اختلاف بين الرواة، وأيضًا في المتن كما سبق في حديث الكسوف، لَمَّا صار في تضاد في المتن يخرج الوجهين ليبين أن هذا الحديث فيه اختلاف، وأيضًا مثال آخر في المتن الذي ذكرناه بالأمس حديث اضجاعة الفجر وهل هي قبل راتبة الفجر أو بعد راتبة الفجر، فقد قام مسلم بإخراج رواية مالك وبجَمْع من الرواة الذين خالفوه في هذا اللفظ ليبين أن هذه الرواية من مالك وهم وأنه قد أخطأ في هذه الرواية.
يبقى قضية مهمة بعد أن بينا أن من منهج الإمام مسلم أن يخرج الأحاديث المعلة: أنه ظاهر كلام الإمام مسلم في الموطن الثالث وموطن آخر أنه يبتدئ بالأحاديث التي لا علة فيها ويؤخر الأحاديث المعلة في آخر الباب، فهل التزم مسلم بهذا الترتيب تمامًا؟
الذي يظهر لي أنه لم يلتزم بهذا الترتيب على الصراط، قد يكون هذا هو الغالب في كتابه أنه إذا ذكر حديثًا معلًّا فإنه يؤخره عن الحديث الصحيح ولكن هناك بعض المواطن ابتدئ بالحديث المُعَلِّ مثل حديث اضجاعة الفجر الذي رواه مالك؛ فإنه صدَّر به الباب، ثم أورد الرواية الأخرى التي تخالف الإمام مالك، مما يدل على أنه لم يلتزم هذا الترتيب في كتابه، وإن كان يمكن أن يقال بعد الاستقراء، وأنا لم أقم بهذا الاستقراء، والأمر يحتاج إلى بحث عميق جدًّا، وهو أن تُدرَس أبواب مسلم على هذا المنهج لنعرف ما هي الأحاديث التي أخرجها الإمام مسلم ليبين علتها؟ وما هي طريقة إعلاله لها؟ وما هو رأيه فيها؟
طبعًا بعد أن انتهيتُ من هذا الكلام أنبه إلى أن ذلك لا يعني أن مسلمًا جعل كتابه كتابًا في العلل، هو سماه"الصحيح"، لكنه - كما ذكرت - أنه قد يخرج الأحاديث الْمُعَلة في بعض الأحيان ويبين عللها، ولا يخرجه ذلك عن أن يكون من كتب الصحاح وليس من كتب العلل، وقد سبق أن الإمام البخاري فعل ذلك، والحافظ ابن حجر كان ينبه إلى أن البخاري قد يخرج أحاديث لبيان علتها ونفس
(1) انظر هدي الساري ص 377، ص 402.