البخاري أخرج بعض الأحاديث وأعلها كما سبق، فكون صاحب"الصحيح"يُخرج في بعض الأحيان أحاديث ويبين عللها لا يعني ذلك أن كتابه خرج عن موضوعه الأصلي، وإنما يضيف هذه الفوائد لينبه على علل تلك الأحاديث وليبين لِمَا اختار هذه الرواية - يعني التي صححها - دون الرواية الأخرى التي تخالفها، حتى لا يقول قائل: لماذا لم يخرج الرواية الأخرى لعلها أصح؟ لينَبِّهك بذلك إلى أنه كان على علم بالخلاف وأنه ما اختار هذه الرواية إلا على علم وفهم وإحاطة باختلاف الرواة، وأن هذا الاختيار كان بناءً على اتباع القواعد الصحيحة بالقبول والرد.
ما هو عدد الأحاديث المعلة في"صحيح مسلم"؟
سبق أن ذكرنا بأنها في كتاب"التتبع"بلغت أربعة وتسعين حديثًا، منها حديث في مقدمة"صحيح مسلم"، وهنا ننبه إلى قضية مهمة، وهي أن مقدمة"صحيح مسلم"لم يشترط فيها الصحة، وهذا أمر مهم جدًّا لمن يتعامل مع كتاب"مسلم"، وقد أورد في هذه المقدمة بعض الرواية وبعض الرواة الذين هو نفسه يضعفهم، وقد ضعف عددًا منهم في نفس هذه المقدمة، فالمقدمة شأنها شأن آخر غير شأن بقية"الصحيح"، ولذلك يميزون العلماء بين من أخرج له مسلم في المقدمة ومن أخرج لهم في"الصحيح"، فمثلًا المزي وابن حجر إذا أرادا أن يذكرا الراوي الذي أخرج له مسلم في"الصحيح"، ما هو رمز مسلم عند المزي؟
(م) .
طيب! إذا كان في المقدمة؟
(مق) .
لماذا هذا التفريق؟
لأنه في فرق بين منهج مسلم في المقدمة وبين منهجه في"الصحيح"، لو كان الشرط واحد ما كان في داعي لهذا التمييز، لكن لأنه في فرق في الشرط ميز العلماء بين المقدمة و"الصحيح".
المقصود أن عدد الأحاديث المعللة عند مسلم أربعة وتسعين، منها حديث واحد في المقدمة، إذًا يصير عدد الأحاديث ثلاثة وتسعين في الحقيقة؛ التي في"الصحيح"ثلاثة وتسعين حديث.
وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث، ومن أقدم من دافع عن هذه الأحاديث أبو مسعود الدمشقي إبراهيم محمد بن عبيد، توفي سنة أربعمائة وواحد من الهجرة في كتاب سماه:"كتاب جواب أبي مسعود إبراهيم محمد بن عبيد الدمشقي لأبي الحسن الدارقطني عما بين فيه غَلَطَ أبي الحسين مسلم بن"