الصفحة 90 من 306

وهذه أكثر غموضًا؛ الأولى يحذف ويُصَرِّح، الثانية يحذف ولا يصرح.

مثال ذلك: الحديث الذي ذكرنا أنه ذكره في كتاب"التمييز"وأعله وهو حديث أخرجه من طريق الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حديث: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا .

أخرجه من طريق ابن عيينة ولم يذكر لفظ ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة قال بدل كلمة فَأَتِمُّوا، فَاقْضُوا . بَيَّن الإمام مسلم في"التمييز"أن هذه اللفظة وهم وأنها ليست صحيحة، ولذلك سكت عنها في صحيحه ولم يورد لفظ ابن عيينة.

حتى لا يقول قائل: ما أدراكم أنه لما سكت سَكَتَ للاختصار؟

نقول: لا، صرح في كتابه"التمييز"أنها وهم، ولذلك تركها، وبذلك نعرف أن من منهج الإمام مسلم أنه إذا سكت عن اللفظ ربما سكت عنه لأنه وهم وخطأ، وليبين أنه فيه علة؛ هذا منهج آخر للإمام مسلم في بيان العلل.

الطريقة الثالثة: أن يُخْرِج طرفًا من الرواية المُعَلَّة ويختصر باقيها.

ومن أمثلة ذلك: الحديث المشهور حديث الإسراء والمعراج الذي أخرجه البخاري كاملًا؛ رواية شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، وقد أورد الإمام البخاري هذه الرواية كاملةً، أما مسلم فأخرج هذا الحديث أول السند وبداية المتن، يعني اكتفى بقوله:

سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...

وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ. اهـ.

انظر!! يشير إلى مخالفات شريك بن أبي نمر لثابت البناني: اكتفى بسياق الإسناد وطَرَف المتن، واختصر المتن، وبَيَّنَ أن هناك خلاف بقوله أن شريك قدَّم وأخر في المتن وزاد ونقص.

وهذه إشارة صريحة وواضحة منه إلى أنه إنما ترك هذا اللفظ لما فيه من المخالفات لرواية ثابت البناني، ثابت من أوثق الناس في أنس بن مالك، فحديثه يُقدم على حديث شريك بن أبي نمر.

الطريقة الرابعة: أن يذكر الإسناد دون المتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت