لكني في الحقيقة كما ذكرت لكم سابقًا قمتُ بإحصائية في كتاب هو أوسع كتاب في ذِكر من انتُقِدوا على الصحيحين، هو كتاب"البيان والتوضيح"، فتبين لي إحصائية أخرى وهي أن البخاري قد أخرج لثلاثمائة وسبعة وخمسين راوٍ مُنْتَقَد، وأما مسلم فأخرج عن أربعمائة وواحد وثلاثين راوٍ مُنْتَقَد.
طبعًا نبهت في لقاءنا الماضي وفي السنة الماضية وذكرت هذه الإحصائية أيضًا أن غالب هذه الانتقادات انتقادات لا تعود بالضعف في الراوي ولا عند بعض المنتقِدين أنفسهم، انتقادات يسيرة جدًّا لا علاقة لها في بعض الأحيان بالقبول أو الرد، فهذه الأعداد في الحقيقة لا تمثل المنتقَدين بالفعل، وإنما هي إحصائيات من خلال كتاب اشترط أن يذكر كل من تُكُلِّم فيه ولو بأدنى كلام، بأدنى عيب، بأدنى لَمْز، ولو كان هذا اللَّمْز أو العَيْب لا علاقة له بقبول روايته أو ردِّها.
ومن هنا يمكن أن نتطرق إلى قضية المفاضلة بين البخاري ومسلم من جهة الرواة:
لا شك أن هذه الإحصائية تبين أن عدد الرواة المنتقَدين على البخاري أقل من عدد الرواة المنتقَدين على مسلم، سواء اعتمدنا الإحصائية التي ذكرها الحافظ أو الإحصائية التي ذكرتها من خلال كتاب"البيان والتوضيح"لأبي زرعة العراقي، الحافظ ابن حجر لم يعتمد في تفضيل البخاري على مسلم على هذه الإحصائية فقط؛ بل بَيَّن أن من وجوه تقديم البخاري على مسلم من جهة الرواة أن البخاري يُقل من الإخراج للرواة الذين انتُقِدوا، بخلاف مسلم فإنه يُكثر الرواية عن الرواة الذين انتُقِدوا، وكأن منطق البخاري ومسلم في ذلك أن البخاري يقول: ما دام أن هذا الراوي مُنْتَقَد - ولو كان عندي ثقةً - فإني أَحْرِص ألا أُخْرِج له إلا القليل خُرُوجًا من الخلاف.
أما مسلم فوجهة نظره يقول: ما دام أن هذا الراوي صحيح عندي في أنه مقبول، فلا عليَّ فيمن تكلَّم فيه، فسوف أُخْرِج له كل ما شئتُ من الروايات.
فانظر إلى كلا المنهجين: منهج البخاري لا شك في هذه الحالة أكثر احتياطًا من منهج مسلم؛ ولا شك.
الآن ذكرنا سببين من أسباب ترجيح البخاري على مسلم؛ من ناحية الزيادة في العدد والنقل، من ناحية أن البخاري يُقِل من إخراج الرواية لهم، وأما مسلم فيُكثر من الرواية لهم، سبب ذلك هو أن نسبة مَن أَخْرَج لهم البخاري ممن تُكُلِّم فيهم من شيوخه أكثر ممن أَخْرَج لهم الإمام مسلم وهم من شيوخهم المُتَكَلَّم.