الصفحة 80 من 306

وأما الراوي الثاني وهو قَطَن بن نُسَيْر: فالراجح فيه أيضًا عند مسلم أنه صدوق، وقد أخرج له - مع ذلك - حديثين اثنين مقرونين بغيرهما، وقلنا إن الاقتران هذا قد يفعله المحدث والناقد حتى مع الراوي الضعيف لأنه يعلن بذلك أنه لم يعتمد عليه أبدًا، كما فعل الإمام البخاري.

روى عنه حديثين؛ أحدهما مقرونًا والثاني متابعة ولم يَسُقْ لفظه؛ يعني الرواية الثانية لقطن بن نسير كانت في سياق المتابعات، ولسوء حفظ قطن بن نسير عند مسلم لم يسق لفظ الرواية التي رواها عنه، وإنما فقط اكتفى بالإسناد، وسيأتي إن شاء الله أن من طرق مسلم في الإشارة إلى الإعلال هو ذِكْر السند دون المتن، إذا ذَكَر السند دون المتن فهذا فيه إشارة إلى إعلال الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الراوي الثالث وهو أحمد بن عيسى: وهو في الحقيقة الذي فيه إشكال؛ لأن أبا زرعة أشار إلى أنه كذاب كما سبق، يقول أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه كأنه يقول: الكذب.

هذا الراوي أولًا لم ينفرد مسلم بالإسناد عنه، بل قد روى عنه أيضًا البخاري؛ أحمد بن عيسى المصري، وروى عنه أيضًا واحتج به الإمام النسائي؛ على تَشَدُّده، بل وقال عنه في مشيخته: لا بأس به.

إذًا هذا الراوي فيه خلاف شديد، فلا يمكن أن يكون الإمام مسلم أخرج له لو كان يرى أنه كذاب، وهذا يدل على أن انتقاد أبي زرعة لهؤلاء الرواة الثلاثة من باب اختلاف الاجتهاد، لا يمكن أن نحتج بهذا التصرف من أبي زرعة أن مسلمًا أخرج لرواة ضعفاء يعلم هو نفسه أنهم ضعفاء، ولكن أخرج لهم وهو يرى أنهم أهل للرواية عنهم، وإن كان يعترف أنهم دون غيرهم في الضبط والإتقان.

وأقرب مثال على ذلك أحمد بن عيسى، فإِنَّ أحمد بن عيسى لو كان كلام أبي زرعة فيه صحيحًا لما جاز لمسلم أن يُخرج له؛ لا في الأصول ولا في المتابعات ولا في الشواهد، لو كان كذابًا، فإن الراوي الكذاب لا شك أنه بالاتفاق ليس من شرط كتب الصحاح، فمسلم والبخاري إخراجهما لهذا الرجل مع توثيق النسائي له واحتجاجه به، لا شك أنه يدل أن هذا الراوي فيه خلاف كبير.

والحق يقال: إن القلب يميل إلى قبول هذا الراوي، ويكفي هذا الراوي أن يحتج به البخاري ومسلم والنسائي؛ على تشدده، وخاصة النسائي، وأذكر النسائي خاصة لأنه أولًا قد روى عن هذا الشيخ ولقيه بمصر، فهو ممن خَبَرَهُ خِبْرَةً تامة، أضف إلى ذلك أن النسائي ممن استقر في مصر، وهو من أعرف الناس بالمصريين، ومع ذلك قال عنه: لا بأس به، واحتج به في كتابه"السنن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت