"وقَدِمَ مسلم بعد ذلك إلى الرَّيِّ - إلى البلد الذي فيه أبو زرعة - فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وَارَهْ فجَفَاهُ - أي: ابن واره وهو من حفاظ الري من أقران أبي زرعة وأبي حاتم؛ يعني أغلظ القول أو جفا الإمام مسلمًا في مقابلته له وهو عاتِبٌ عليه نفسَ عَتِب أبي زرعة، يعني: كان ابن واره يعتب على مسلم في تأليفه"الصحيح"كما عَتِبَ عليه أبو زرعة من قبل، يقول: - وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحوًا مما قال له أبو زرعة: إن هذا يُطَرِّق لأهل البدع علينا، فاعتذر إليه مسلم وقال: إنما أخرجت هذا الكتاب وقلتُ: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أُخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجتُ هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي وعند من يكتبه عني فلا يُرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف، ونحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقَبِلَ عذرَه وحدَّثَهُ."
يعني: اعتذر له بنفس الاعتذار السابق فقَبِلَ محمد بن مسلم بن واره وحدثه وترك الجفاء الذي كان واجهه به.
لكن نريد أن نعود إلى الرواة الثلاثة الذين ذكرهم أبو زرعة وإلى اعتذار الإمام مسلم:
هل كان مسلم يعتبر هؤلاء الرواة ضعفاء ومع ذلك أخرج لهم في صحيحه؟ هل هم ضعفاء بالفعل؟ وهل انتقاد أبي زرعة صواب، خاصة في أحمد بن عيسى كأنه يشير إلى كونه كذابًا؟ ولو كان أحمد بن عيسى كذابًا عند مسلم هل يصح لمسلم أن يروي عنه ولو في المتابعات والشواهد؟ هذه كلها أسئلة تحتاج إلى جواب.
ذكرنا أن الإمام مسلم بَيَّن في مقدمة الكتاب أنه سيخرج لأهل الحفظ والإتقان؛ وهؤلاء هم شرطه الأكبر، ثم إنه إذا أخرج في المتابعات لمن دونهم فإنهم لا ينزلون عن مرتبة القبول، وضرب لذلك مثلًا لثلاثة من الرواة وقال: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، فبَيَّن أنهم لا ينزلون عن درجة القبول، حتى الذين أُخرج لهم في المتابعات.
إذًا ظهار تصرف مسلم أن هؤلاء الرواة الثلاثة الذين انتقدهم عليه أبو زرعة أنهم أيضًا لا ينزلون عن درجة القبول عنده.
وبالنسبة لكل راوٍ منهم سنتكلم عنها الآن:
أما بالنسبة لأسباط بن نصر: فالراجح فيه أنه صدوق؛ وهذا هو الذي مال إليه الحافظ ابن حجر في"التقريب"حيث قال: صدوق كثير الخطأ يُغْرِب. يعني: في آخر مراتب القبول، وقد أخرج له مسلم حديثًا واحدًا فقط.