الصفحة 8 من 306

فحاول الشيخ أن يستنبط بداية التأليف من تواريخ وافيات هؤلاء العلماء؛ لأن أقدم واحد من هؤلاء - وهو يحيى بن معين - تُوفي سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين من الهجرة، ومعنى ذلك أنه لا بد من أن البخاري ابتدئ في تأليف الصحيح قبل سنة مائتين وثلاثة وثلاثين، ولنفرض مثلًا ابتدئ في التأليف سنة مائتين واثنين وثلاثين؛ هذا في أقل تقدير، فيكون عمره حينها كم سنة؟ وُلد سنة أربع وتسعين ومائة، كم يكون عمره؟ ثمانية وثلاثين سنة هذا. ماهو البداية، هذا آخر تأليفه؛ لأنه عَرَض الصحيح كاملًا، يعني انتهى من تأليف الصحيح المفترض يكون قبل تَقدِيمِه سنة مائتين واثنين وثلاثين؛ لأنه عرض الصحيح كاملًا على هؤلاء الشيوخ الثلاثة، وأولهم وفاةً هو يحيى بن معين؛ سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين، لكن نفرض أنه لعرض قبله وبعده بسنة على أقل تقدير، سنة مائتين واثنين وثلاثين، معنى ذلك أنه كان عمره ثمانية وثلاثين سنة يوم أن انتهى من تأليف الصحيح.

ويذكر البخاري نفسه أنه مكث في تأليف الصحيح ستة عشر عامًا، يعني معنى ذلك سنة كم ابتدئ في تأليفه؟ مائتين اثنين وعشرين. كم كان عمره؟ كان عمره ستة عشر سنة يوم ابتدئ بتأليف الصحيح، وانتهى وعمره ثمانية وثلاثين سنة، وهذا أيضًا دليل آخر على نبوغ هذا الإمام، وعلى مبادرته إلى التأليف من هذه الفترة المبكرة، والتأليف فيه فن وفيه وجه من وجوه التصنيف لم يُسبق إليه، فكما سيأتي إن شاء الله هو أول من ألف في الصحيح المجرد، ولذلك كانت هذه الفكرة أول من اقترحها إسحاق بن راهويه وأول من بادر في تنفيذها الإمام البخاري.

ونأخذ من هذه فائدة يا إخواني لإخواننا وأبناءنا الشباب ألا يحقر الإنسان نفسه - كما نقول دائمًا - ابن ستة عشر أو خمسة عشر أو أربعة عشر، إذا ابتدئ من هذه الفترة بتكوين نفسه وبمشروع علمي، قد يمكث عشر سنين عشرين سنة يؤلف كتابًا ينفع الأمة طوال قرونها وبقائها، فلا يستخف الإنسان بنفسه، عليه أن يكون عالي الهمة ويبادر في خدمة السنة النبوية.

المقصود أن هذه هي بداية تأليف الإمام البخاري تقريبًا في هذه الفترة وفي هذا التاريخ، في سنة تقريبًا مائتين واثنين وعشرين وكان عمره ستة عشر سنة.

انتخب الإمام البخاري صحيحه من نحو ستمائة مائة ألف حديث، اختار أحاديث الكتاب من نحو ستمائة مائة ألف حديث كان قد سمعها من شيوخه، طبعًا المقصود بهذا العدد لا أن المتون ستمائة ألف متن، وإنما المقصود به الأسانيد والأحاديث؛ سواء كانت مرفوعة، أو موقوفة على الصحابة، أو مقطوعة على التابعين، يعني سواء كان منتهى الإسناد فيها إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو إلى الصحابة أو إلى التابعين فمن دونهم، فالمقصود أنه انتخبه من ستمائة ألف رواية أو إسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت