الكلام في أبي عبد الله البخاري طويل جدًّا، لكن طبعًا حصلت له ابتلاءات في حياته، وهذه سُنة الله عز وجل في أهل الصلاح، وأهل العلم، لا بد أن يقع لهم ابتلاء؛ إما أن يُبْتَلَوْا بالنِّعم ويمتحنهم الله عز وجل ليرى هل يشكروها حق شكرها ويقوموا بها؟ أو يُبتلوا بالبلايا والضُّر ليرى الله عز وجل صبرهم واحتمالهم واحتسابهم، وليُكَفِّر عنهم سيئاتهم وليرفع درجاتهم عنده سبحانه وتعالى.
ابتُلِيَ الإمام البخاري بأكثر من فتنة وأكثر من ابتلاء، وصبر واحتسب وضرب أروع الأمثلة في الصبر والاحتساب، وأشد هذه الابتلاءات اتهامه بالبدعة وهو الذي كان إمامًا من أئمة السنة ينصر السنة ويدافع عنها، ولا شك أن هذا الاتهام كان باطلًا، وقد عَرَف ذلك كثير من معاصريه ممن كان يتهمه، وأعلنوا توبتهم واعتذارهم في حياته وبعد وفاته أعلنوا توبتهم لله عز وجل مما قالوه في حقه.
تُوفِيَّ هذا الإمام في سَنة سِتَّة وخمسين ومائتين من الهجرة.
وقد ترك مؤلفات كثيرة جدًّا في السنة وعلومها، من أشهرها كتابه:
"الصحيح"الذي سيكون مَحَطَّ كلامنا، وكتاب"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"؛ وكلها في تراجم الرواة، ليست في علم التاريخ المعروف، إنما هي في تراجم الرواة، وكتاب"الضعفاء الكبير"، وكتاب"الضعفاء الصغير"، وكتاب"القراءة خلف الإمام"، وكتاب"الأدب المفرد"، و"جزء رفع اليدين في الصلاة"، وغيرها من المؤلفات الكثيرة العديدة والتي فُقِدَ شيء كثير منها وبقي منها أهمُّها، وأهم كتابين له في الحقيقة هما:"الصحيح"، و"التاريخ الكبير"، هذه أهم كتب الإمام البخاري وكلاهما موجود مطبوع بحمد الله تعالى.
أما كتابه"الصحيح"، فنبتدئ أولًا في سبب تأليف هذا الكتاب:
يذكر الإمام البخاري أن سبب تأليفه لهذا الكتاب أنه كان في مجلس إسحاق بن رَاهُويه - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - شيخه، فقال إسحاق: لو أن أحدكم يجمع مختصرًا في صحيح أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، يقترح هذا الشيخ على طلابه أن يجمعوا كتابًا مختصرًا في صحيح السنة النبوية.
يقول البخاري: فوقع هذا الكلام في نفسي، يعني يوم اقترح علينا إسحاق بن راهويه هذا الاقتراح قَدَح في ذِهني أن أقوم بهذا الجَمْع، وبادر بالفعل بهذا الجمع من فترة مبكرة.
وقد حاول أحد العلماء أو الباحثين المعاصرين وهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عليه رحمة الله أن يُحدد بداية تأليف الإمام البخاري لكتابه الصحيح، اعتمد في ذلك على خبر ذكره الإمام العُقَيّلي؛ يذكر الإمام العقيلي عليه رحمة الله أن البخاري عرض كتابه"الصحيح"على ثلاثة من شيوخه وهم: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأنهم وافقوه عليه وعلى صحة ما فيه إلا أربعة أحاديث فقط، يقول العقيلي: والصواب فيها مع البخاري، حتى هذه الأربعة أحاديث فالصواب فيها مع البخاري.