جَابَ بلدان العالم الإسلامي في الرحلة في طلب العلم، وتميز - كما ذكرنا - بحافظة باهرة وشهيرة، وقِصَصَه في ذلك أكثر من قصة، وكان إمامًا في أبواب كثيرة من أبواب الخير، وكان من العُبَّاد، لا يكاد يترك يومًا إلا ويتهجد لله عز وجل فيه، بل كان له في رمضان ختمتان: قراءة لنفسه يختم فيها كل ثلاثة أيام، يعني يقرأ كل يوم عشرة أجزاء؛ هذه لنفسه، وإذا أَمَّ بالناس يختم كل عشرة أيام؛ يعني يقرأ كل يوم عشرة أجزاء وأضف إليها تقريبًا ثلاثة أجزاء، فتقريبًا ثلاثة عشر جزءًا كل يوم؛ ثلاثة إذا أَمَّ بالناس وعشرة لنفسه.
وكان مضرَب المثل في الكرم والسَمَاحة والجود، هو الذي كان يقول: ما ماكس رجلٌ ولا ساوم في بيته، يعني إذا جاء يشتري يقول: هذه السلعة بكذا، مباشرة يدفع المبلغ دون أن يساوم، ويرى أن هذا مما يَحُطُّ بالمروءة وأنه لا ينبغي للإنسان أن يساوم، في أمور الدنيا يتساهل.
في الجهاد كان فارسًا، وهذا لعله لا يُعرف، يقول عنه تلميذه ووَرَّاقه محمد بن أبي حاتم: ما أخطأ سهم محمد بن إسماعيل قط، ولا سابقه أحدٌ إلا وسبقه أبو عبد الله؛ على الخيل يعني، فكان فارسًا شجاعًا يُرابط على الحدود.
وفي يوم من الأيام وهو على الرباط على الحدود نام نومًا عميقًا فَعَجِبَ تلميذه من هذه النومة لأجل أن يقوم الليل، فقال له: يا أبا عبد الله فِعْلت اليوم لم أعهدكَ أن تفعله. فقال: إننا على الثغر وأخشى أن يُباغِتَنا العدو، فلا بد أن أكون في قوة واستعداد وتَأَهُّب لمواجهة الأعداء. فلم ينم إلا لأجل أن يتقوى الجهاد وعلى مواجهة أعداء الله عز وجل.
له أيضًا موقف مهم جدًّا في قضية الغِيبة، ما أعرف أني اغتبت رجلًا منذ عرفت أَنَّ الغيبة حرام، يعني من يوم أن بلغ، من يوم أن أصبح مكلفًا ما اغتاب أحدًا، وله تفسير في هذا الجانب عجيب: في يوم من الأيام كان أحد شيوخه يُحدث، والإنسان في بعض الأحيان قد يقول معلومة جيدة أو كذا فيفرح المتكلِّم أنه أفاد السامعين بهذه الفائدة، فابتسم هذا الشيخ وهو يُحدث فرحًا وإعجابًا بالفائدة التي أفاد بها الطلاب، يقول البخاري: فابتسمت لابتسامة الشيخ، يعني: عرفتُ أنه فرح على الفائدة التي أفادنا إياها، فخشي أن تكون هذه الابتسامة غيبة، فبعد أَنْ انتهى الدرس ذهب للشيخ يَتَحَلَّلُهُ ويطلب من الشيخ أن يعفو عنه، يقول: وقع مني كذا؛ ابتسمتَ، فابتسمتُ لابتسامتكَ ووقع في قلبي كذا وكذا. فقال: اذهب رحمك الله فأنت في حِلٍّ. ما في أعظم من هذا الورع، يعني إلى هذا الحد، مجرد ابتسامة خشي أن تُحسب عليه غيبة عند الله عز وجل، فرأى أن يعتذر وأن يتحلل قبل أن يُقتص منه يوم القيامة.