الصفحة 5 من 306

مثل هذه القصة تكفي لبيان مقدار العبقرية التي أُوتِيهَا الإمام البخاري في تلك الفترة المبكرة من عمره.

ثم بعد ذلك خرج للحج ووالدته - ووالده توفي وهو صغير - وأخوه، ومر ببعض المدن الإسلامية من طريقه إلى بخارى في خراسان في العراق، وسمع بها من عدد كبير من الشيوخ، ثم لَمَّا أرادت أمه أن ترجع مع أخيه إلى بخارى استأذنها الإمام البخاري في المُكث في مكة لطلب العلم، فأذنت له بذلك، فرجعوا إلى بلدهم ومَكَثَ هو في رحلته في طلب.

وتَلَقَّى العلم على عدد كبير جدًّا من الشيوخ يزيدون على ألف شيخ، وإن كان لم يُخْرِج في"الصحيح"قطعًا إلا على العدد يسير منهم ممن رضي عدالتهم وضبطهم، فكما يذكر الإمام البخاري أنه سمع من أكثر من ألف شيخ كلهم يقولون بـ: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يعني هؤلاء الأكثر من ألف شيخ كلهم من أهل السنة، ليس فيهم أحد من أهل البدع، فلو أضفت إليهم مَن لَقِيَهُمْ من أهل البدع لتضاعف هذا العدد.

من أبرز شيوخ الإمام البخاري:

وهم كُثُرٌ كما ذكرنا - شيخه علي بن المديني؛ علي بن عبد الله جعفر بن نجيح المديني، الإمام الشهير إمام العلل الذي كان يقول عنه الإمام النسائي: كأنما خُلق علي بن المديني بعلم العلل - أو بالعلل.

هذا الإمام الكبير وهو رأس علم العلل في بداية القرن الثالث الهجري تَتَلمذ عليه الإمام البخاري واستفاد من رواياته ومن فهمه وغوصه في علم العلل استفادة عظيمة، وكان يقول الإمام البخاري كلمته الشهيرة: ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.

يقول: ما هانت عليَّ نفسي ولا صَغُرت عليَّ نفسي عند أحد من العلماء إلا عند علي بن المديني، أَعْرِفُ مقدار جهلي أمام علمه، هذا مع أنه لقي الإمام أحمد ولقي يحيى بن معين، من هم أكبر من الإمام البخاري، وهم من شيوخه، يقول هذه العبارة في علي بن المديني لتعرف مكانة هذا الإمام في علم الحديث، وفي علم العلل، إلا أن علي بن المديني لما بلغته هذه العبارة، لما بلغته كلمة الإمام البخاري وأنه كان يقول: ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، قال: دعوه فإنه لم يَرَ مثل نفسه.

يعني يقول: هذه الكلمة - ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني - يقولها البخاري تواضعًا، وإلا فهو أعلم مني، بل هو أعلم من جميع شيوخه. أي كل الذين رآهم من العلماء دونه في العلم، وهو أعلم من جميع من لقيهم.

ذكرنا من شيوخه: الإمام أحمد، وابن مَعِين، والحُمَيْدِي، وإسحاق بي رَاهَوَيْهِ، ومحمد بن يحيى الذُّهْلِي، وجماعة من أهل العلم هؤلاء من أعيانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت