وهذا الأمر - الحقيقة - يحتاج إلى وَقفة؛ لأن الكتاب - كما ذكرت - مُرَتَّب بالفعل على الأبواب، إلا أنه لم يذكر هذه العناوين.
فما هو السبب في عدم ذكره لهذه العناوين مع أنه قام بالجهد المطلوب وهو ترتيبه على الأبواب؟
هناك سببان محتملان إما يكون هذا أو ذاك، ويحتمل أن يكون كلا السببين هما اللذان دَعَيَا الإمام مسلم إلى حذف هذه التبويبات:
السبب الأول: الاختصار؛ فإنه نص في عنوان كتابه أن كتابه مختصر، فأراد أن يحذف هذه التبويبات للاختصار.
السبب الثاني والذي يظهر أن هو الأقوى: أنه أراد أن يجعل كتابه خالِصًا للأحاديث النبوية دون أن يُبَيِّن رأيه فيها؛ أن يترك الناظر يَستنبط هو وحده من هذه الأحاديث الحكم المُسْتَنْبَط منها.
وفي هذا السياق أتذكر كلمة الإمام أحمد عندما انتقد كتاب"الموطأ"للإمام مالك أنه جمع فيه بين الرأي والحديث، يعني الفقه والحديث، وكان يرى الإمام أحمدُ أنه لو خُلِّصَ الحديث وحده لكان هذا أولى، فلعل الإمام مسلم يرى هذا الرأي، قد يكون استفاده من شيخه أحمد أو من غيره وقد يكون هو مُتَبَنٍّ لهذه الفكرة أيضًا، المقصود أن هذا العمل لمسلم الظاهر - والله أعلم - أنه قصد به بالفعل أن يجعل كتابه جامعًا للأحاديث دون تَدَخُّل منه في الفقه المُسْتَنْبَط من هذه الأحاديث.
وهذا منهج محمود، ومنهج البخاري أيضًا محمود ولا شك، فكم كنا سنفقد من العلم لو أن الإمام البخاري لم يبين لنا فقهه من تلك الأحاديث، وكل اجتهد ويؤجر على اجتهاده إن شاء الله.
ومن هنا ندخل إلى أعظم ما يُمَيِّز"صحيح الإمام مسلم"على"صحيح البخاري"، وهو قضية"الترتيب والتبويب":
فمن أهم مزايا"صحيح مسلم"على"صحيح البخاري": جَمْعُهُ طرقَ الحديث وألفاظه في مكان واحد، يمتاز الإمام مسلم أنه إذا أخرج الحديث يذكر الطرق كاملةً بألفاظها في موطن واحد، بخلاف البخاري الذي ذكرنا أنه يروي الحديث في كل موطن حسب التبويبات التي يذكرها، وربما اختلفت ألفاظ الحديث، وربما قَطَّع الحديث الواحد إذا كان طويلًا فيختصره فيذكر موطن الشاهد فقط تحت كل باب، أما مسلم فيمتاز بأنه يذكر الحديث كاملًا بطرقه وألفاظه في موطن واحد.
وفي الحقيقة هذه تكاد تكون كل كتب المصطلح، تذكر أن هذا هو الوجه الذي فُضِّل به"صحيح مسلم"على"صحيح البخاري".