الصفحة 266 من 306

مسكين يقول:"قُرِأَ عليه وأنا شاهد"ما يقول: أخبرنا، ولا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين لم يقصد إسماعه؛ ما قصد أن يُسمعه، قصد أن يُسمع الموجودين عنده، ما كان يدري أن أبا داود يسمع، لذلك كلما أراد أن يروي عن الحارث بن مسكين يقول:"قُرِأَ عليه وأنا شاهد"، وهذا من تمام دقته أيضًا في صيغ الأداء.

يتميز أيضًا بذكره لمذاهب السلف؛ ربما يذكر من قال بفقه هذا الحديث من الصحابة والتابعين، ويشبه بذلك عمل الترمذي كم سيأتي ذكره.

أيضًا يعتني كثيرًا بتسمية الرواة الذين وردوا في الأسانيد بكُناهم أو بأنسابهم مُهْمَلِين، فبعد ذكره لكنية الراوي يقول: هو فلان بن فلان، بعد ذكره للنسب وحده في الإسناد يقول: هو فلان بن فلان، يعتني ببيان الرواة المهمَلِين الواردين في الأسانيد.

أيضًا في كتابه - الحقيقة - يذكر فوائد غريبة وكثيرة في أبواب مختلفة، فمثلًا من أغرب الفوائد التي ذكرها أنه قال في كتاب الزكاة، يقول:"شَبَّرْتُ قِثَّائَةً بِمِصْرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شِبْرًا". هذا خبر أكيد، أبو داود يقوله في كتاب"السنن"، وهذا خبر غريب، كأنه أراد فقط أن يُلَطِّف"السنن"بمثل هذا الخبر الغريب.

ثم قال أيضًا يذكر خبرًا آخر:"وَرَأَيْتُ أُتْرُجَّةً عَلَى بَعِيرٍ قُطِعَتْ عِدْلَيْنِ وَصُيِّرَتْ مِثْلَ الْعِدْلَيْنِ".

يعني من ضخامة هذه الأترجة، لعلها مثل نصف هذه الطاولة، قطعوها نصفين فجعلوا أحدها على الطرف الأيمن من البعير والثاني على الطرف الأيسر من البعير، وهذا يدل على ضخامة هذه الأترجة، ومعروف أن الأترجة تقريبًا في هذا الحجم، مثل الخِرْبِز لا يزيد عن ذلك، أما أن يكون بهذا الحجم والرقم فهذا من أندر ما يكون، وهذه أيضًا أوردها في"السنن"، وكأنه أيضًا ليلطف الكتاب بمثل هذا الخبر.

أيضًا له عناية بالتدقيق حول الأخبار المتعلقة بالأماكن، فلما أورد حديث بئر بضاعة ذكر أنه ذهب إلى بئر بضاعة وقاسها بردائه، وأنه تبلغ - كما ذكر - ستة أذرع؛ عرضها ستة أذرع، وتكلم مائها وعن عمق الماء، وكيف يصبح الماء إذا بلغ أقصى ما يصل إليه، وإذا نقص ما هي أقصى درجات نقص هذا الماء، وبذلك أعطانا تصورًا واضحًا وكأننا نرى بئر بضاعة اليوم، مع أنها الآن مندثرة، لا يعرف أحد الآن مكان بئر بضاعة، لكن من خلال كلام أبي داود عرفنا تمامًا مقاييس هذه البئر وطبيعة مائِها الذي فيها، وهذا يدل في الحقيقة على - كما نقول - سبق تاريخي وعلمي، يعني كان مستحضرًا أن هذه البئر قد تضيع، ومتعلق بها خبر في السنة، فيجب أن أعطي الأمة ما يبين لهم الفقه الذي يمكن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت