الصفحة 265 من 306

ومن أمثلة هذه الكلمات الغريبة أنه لما ذكر بناء مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ذكر فيه كلمة: (الْقَفْصَة) وأنهم كانوا يستخدمونها في البناء، فقال: (الْقَفْصَة) هي الجِدْر؛ فسر كلمة (الْقَفْصَة) .

وكما يُشبه بالبخاري في هذين الأمرين يُشبه بمسلم أمور أخرى وهي:

1 -في حرصه على تمييز ألفاظ الشيوخ في الصيغ، ألم نقل أن مسلمًا كان يفرق بين حدثنا وأخبرنا وألفاظ شيوخه فيها؟! كذلك كان أبو داود يفعل.

2 -وفي الأنساب الذين يَرِد ذكرُهم في الأسانيد، فمثلًا قد ينسب أحد الرواة شيخه نسبة كاملة، فيقول: حدثني فلان بن فلان بن فلان مثلًا، أما الآخر فيكتفي بكنيته أو بنسبته، فإذا جاء يريد أن يسوق الحديث من رواية هذين الشيخين فيبين أيهما الذي نسب هذا الراوي، فيقول: أما فلان فقال - مثلًا: علي، وأما الثاني فقال: علي بن زيد بن جدعان مثلًا، حتى يبين من هو الذي نسب هذا الراوي ممن لم ينسبه، وهذه دقة متناهية جدًّا عُرف بها أبي داود.

3 -أيضًا من المسائل التي يدقق فيها جدًّا وهو يشابه في ذلك مسلمًا تدقيقه في المتون، واختلاف الرواة في ألفاظ المتون، ولأبي داود في هذا الجانب - الحقيقة - إبداع بالغ وتدقيق بالغ جدًّا يظهر من أوائل الصفحات في كتابه"السنن"؛ يظهر تدقيقه البالغ في بيان اختلاف الرواة في المتون ونسبة كل لفظ وكل رواية إلى قائلها.

من دقة أبي داود أيضًا في كتابه ما دمنا نتكلم عن الدقة:

1 -أنه إذا سمع من الشيخ حديثًا وفاتته كلمة أثناء سماعه لهذا الحديث فإنه ينبه على ذلك؛ يسوق المتن ثم يقول:"وكلمة لم أسمعها".

2 -وإذا فاتته كلمة فسأل أحاديث من بجواره فقال: ماذا قال الشيخ؟ فقال: كذا. يسوق الحديث ثم يقول:"إلا كذا فقد ثبتني فيها فلان بن فلان"، يعني كانت غابت عن سمعي أثناء كلام الشيخ فسألت من بجواري فقال: قال الشيخ كذا وكذا، فينبه من هو الذي بَيَّن له صحة هذه اللفظة أو ماذا قال الشيخ؛ وهذا من تمام دقته أيضًا عليه رحمة الله.

3 -من دقته أيضًا وأمانته أنه سمع من أحد شيوخه وهو الحارث بن مسكين دون علمه؛ لأن الحارث بن مسكين كان متشددًا جدًّا في الرواية ولا يحدث أحد، فكان يأتي بجوار مجلس تحديثه دون أن يعرف الحارث بن مسكين أنه يسمع، ويسمع الحديث ويكتبه، ولذلك صار إذا أراد أن يروي عن الحارث بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت