يقول: لو كان في الباب عشرة أحاديث صحيحة إنما أكتفي بحديث أو حديثين منها، وهذا كلام صريح بأنه ينتقي بعض الأحاديث دون بعض، وأنا أقصد من التأكيد على هذا حتى لا يُظن بأبي داود - وحاشا أن يَظن أحد به هذا - أنه لَمَّ به الجهل، هناك أحاديث كثيرة صحيحة لم تَرِد في كتاب أبي داود وهو يدعي أنه استقصى؟! فنقول: لا، هو أن يستقصي أصول أحاديث الأحكام، وإلا فهو على علم بأن هناك أحاديث كثيرة صحيحة، لكن ما ذكرها في كتابه يغني عنها، ويكفي في الدلالة على الحكم دونها، ولا يعني ذلك أنه لم يَفُتْه شيء، لكن أغلب ما نقف عليه قد وقف عليه وتركه عن عمد وقصد.
ثم يؤكد أيضًا قصده في الاختصار إذ يقول وأنه لا يريد أن يكرر، يعني هنا ربما ننتقل إلى فائدة جديدة تتلو الفائدة السابقة، وهي أنه يعتني بالاختصار حتى إنه يكتفي بحديثين عن أحاديث كثيرة وأيضًا اشترط على نفسه ألا يكرر إلا لفائدة، لا يكرر الحديث في باب آخر ولو كان يُستنبط منه حديث إلا مع زيادة فائدة، فيقول:"وإذا أَعَدْتُ الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه".
يقول: فإذا وجدتني أعدت الحديث فلا تظن أن هذا يعارض شرطي في الاختصار والتيسير على الناس، وإنما أعيده لزيادة فائدة في هذا الحديث؛ إما في الإسناد أو في المتن، فلا أزيده إلا لزيادة فائدة، أما أكرر دون فائدة؛ فهذا لا أفعله.
ثم يبين أيضًا أنه سيختصر الحديث الطويل ويقتصر على موطن الشاهد منه، حتى يتيسر على الناس أن يعرفوا كيف استنبط الحكم من هذا الحديث؛ حديث طويل جدًّا وموطن الشاهد منه ربما ثلاث أو أربع كلمات، فلو أورد الحديث كاملًا قد يضيع الإنسان في هذا الحديث ويعرف كيف يستنبط هذا الحكم من هذا الحديث، فلذلك فإنه يقتصر على موطن الشاهد ليدل القارئ على موطن الاستدلال الذي يستدل به على ذلك التبويب الذي بوب له في"السنن"؛ حيث يقول في رسالته:"وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك". يصرح بهذا الأمر.
من أنواع اختصاره أيضًا في الكتاب: التعليق، فقد علق أحاديث كثيرة جدًّا في كتابه، وقد رأيت رسالة مطبوعة مؤخرًّا لأحد الباحثين المعاصرين سماها:"تغليق التعليق في سنن أبي داود"، وهي في ثلاثة أو أربعة مجلدات فيما أذكر، رسالة كبيرة أظنها ثلاث مجلدات كلها في تغليق التعليق في سنن أبي