كلمة (السنن) تدل على أنه سيعتني بالأحاديث المرفوعة؛ لأن السنة الأصل فيها أن تُطلق على ما للنبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان قول الصحابي:مِنَ السُّنَّةِ كذا. يعني أن له الرفع، أنه مما يُنقل النبي أن عليه الصلاة والسلام، فالأصل في كلمة (السنن) الدلالة على الرفع، ولذلك نجده لا يورد الموقوفات إلا نادرًا.
وله عبارات أيضًا تدل على تجنبه لرواية الموقوفات، فإنه لما أثنى على كتابه الثناء البالغ في"رسالة أبي داود إلى أهل مكة"قال في هذا الثناء:"ولا أعلم شيئًا بعد القرآن أَلْزَمَ للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يَضُرُّ رجلًا ألا يكتب من العلم بعدما يكتب هذه الكتب - يعني سننه - شيئًا". يقول: لو أن إنسان لم يُحصل إلا القرآن ثم كتب هذا الكتاب لكفاه ذلك النبي غيره من الكتب، وهذا ثناء بالغ في كتابه.
مع ما يراه من أن هذا الكتاب يُغني في باب السنن إلا أنه يقول بعد ذلك في"رسالته لأهل مكة"يقول:"ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب".
مقصود الكتب هنا: كتب"كتاب السنن"الطهارة، الصلاة، الزكاة، الواردة في"السنن".
يقول:"ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب أن - صلى الله عليه وسلم -".
يعني هو هنا يعرف أنه يحتاج الإنسان إلى القرآن وإلى كتاب"السنن"وإلى فقه الصحابة، وفقه الصحابة لأنه غير موجود في كتابه"السنن"، فإنه يقول يجب عليك أن تستكملها من كتب أخرى.
وهذا يبين فيه:
أولًا: إلى أنه إلى يُخرج الموقوف مع أهميته، لكنه اشترط أن يُخرج المرفوع.
ثانيًا: أنه ينبه إلى ضرورة الرجوع إلى فقه السلف وإلى فهم السلف لفهم الكتاب والسنة، وأنه لا ينبغي لأحد أن يستدرك بالاستنباط دون الرجوع إلى فهم السلف من الكتاب والسنة.
مما يتعلق بشرطه في الجمع والتأليف - وسيأتي شرطه في القبول بعد قليل - أنه قصد استقصاء أصول أحاديث الأحكام، انتبهوا إلى القيد!! ما قلتُ: أحاديث الأحكام، وإنما قلتُ: أصول الأحاديث، وهو يصرح بذلك في"رسالته إلى أهل مكة"في أكثر من موطن، فيقول مثلًا: أولًا بالنسبة للاستقصاء قال عبارة شهيرة جدًّا تدل على شدة اعتزازه بهذا الكتاب، يقول:"ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري". يقول: لا أعرف أحدًا سبقني إلى الجمع المستقصي كما استقصيت في جمعي هذا، وهذا أيضًا فيه دلالة إلى أن كتاب أبي داود هو أول كتاب في أحاديث الأحكام على وجه الاستقصاء،