الذي يظهر - والله أعلم - أنه يقصد بذكره لهذه العلل التي يسوقها بعد الحديث أنها علل يمكن لغيره في هذا الحديث أن يُعِلَّ بها الحديث، ولا نقصد بذلك أن منهجه في التصحيح يخالف منهج من كانوا يُعل بهذه الطرائق التي يذكرها، بل يبين أن كل حديث يمكن أن تختلف فيه وجهات النظر، فالخلاف في هذه المسألة يعتبر - حسب ما يذكر ابن جرير - خلافًا جزئيًّا وليس خلافًا منهجيًّا، يعني قد يورد مثلًا حديث ويقول: هذا الحديث تفرد به فلان وينبغي أن يُتَثَبَّت فيما تفرد به.
تصحيحه للحديث يدل على أنه درس هذا الحديث ودرس هذا التفرد، فوجد أن هذا الراوي يحتمل هذا التفرد، أو ربما يرى أن هذا الراوي لم يتفرد ولذلك يصحح الحديث، لكن لم يورد علة يمكن أن تكون عند غيره ممن لم يوافقه في وجهة النظر حول هذا التفرد أنها قد تكون سببًا للضعف.
ويدل على ذلك - أن هذا مقصوده - أنه قد يورد عللًا حقيقية حتى عند ابن جرير نفسه يعتبرها عللًا حقيقية، ثم لا يلتفت إليها، مما يدل على أنه قصد أن هذه العلة غير قادحة في هذا الحديث بالذات، وإن كانت قد تقدح في غيره من الأحاديث، نعم لابن جرير آراء ربما خالفت بعض آراء المحدثين، كاحتجاجه بالحديث المرسل مثلًا فإنه قد صرح بذلك، وهو بذلك يميل إلى الفقهاء، وخاصة فقهاء أهل الرأي الذين لهم موقف معين من الحديث المرسل ويحتجون به؛ هذا صحيح، لكن في بقية المسائل هو جارٍ في ذلك على منهج المحدثين، والكلام في هذا الموضوع طويل جدًّا، لكن أحببت فقط الإلماح إليه.
المقصود أن"تهذيب الآثار"لابن جرير الطبري أحد الكتب التي اشترطت في أصول أحاديث كتابه أن تكون صحيحه.
3 -الكتاب الآخر: بيان مشكل أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخراج ما فيها من الأحكام ونفي التضاد عنها وهو الكتاب الشهير بـ"شرح مشكل الآثار"لأبي جعفر الطحاوي.
اشترط الطحاوي في مقدمة كتابه ألا يورد حديثًا في هذا الكتاب إلا أن يكون حديثًا مقبولًا؛ هكذا اشترط، أن يكون كل الأحاديث التي يورده مقبولة، لكن من خلال النظر في كتابه عرفنا مقصوده من تلك العبارة التي ذكرها في مقدمة كتابه، وهي أنه يشترط القبول بقيدين:
القيد الأول: أن يكون الحديث الذي يشترط فيه القبول هو الحديث الذي يورده في أصل الباب لبيان أن هناك حديث آخر يعارضه؛ لأن طريقة هذا الكتاب أنه يورد أحاديث مشكلة، ومشكل الحديث: هو الحديث الذي وقع التعارض بينه وبين آية أو حديث آخر أو عقل؛ أمور عقلية حسية مثلًا، إما