شدة تحريه، كل سنة ينقص، كل سنة ينقص، نخشى إنه لو طال به العمر ما أبقى في الكتاب حديثًا واحدًا.
لكن هذه العبارة في الحقيقة عليها مَلحَظ قوي جدًا وهو أن رواية أبي مصعب الزهري من أواخر الروايات عن مالك، رواية أبي مصعب الزهري من أواخر الروايات، بل من أهل العلم من قال إنه آخر من أخذ " الموطأ " عن مالك، ومع ذلك هي إن لم تكن أوسع الروايات على الإطلاق فهي من أوسع الروايات على الإطلاق، بل إن ابن حزم وهو من أحد أكثر العلماء عناية بالموطأ وهو أندلسي، والأندلس كانت زاخرة بالموطآت برواياتها لكثرة المالكية فيها، وعناية علماء المالكية بالموطأ، لمَّا تكلم عن الموطآت أو روايات " الموطأ " ذكر أن أوسع رواية على الإطلاق هي رواية أبي مصعب الزهري، فلو كان الكلام السابق صحيحًا كيف نجد أن رواية أبي مصعب أوسع من رواية غيره من رواة " الموطأ " عن مالك، هذا مما يدل على أن ذلك القول قول فيه مبالغة وغلو، نعم كان مالك يحذف ويُغيِّر وربما تردد وأرسل في رواية، ووصل في رواية، لكن لا يلزم من ذلك أنه صار ينحو منحى النقص والاختصار في كتابه على مدى الأعوام، ربما نقص من جهة وزاد في جهة أخرى، نقص من باب وزاد في باب آخر، أو استبدل حديث بحديث، أو إسناد بإسناد وهكذا.
من أهم أو من أوثق الروايات عن الإمام مالك الروايات التالي ذكرها:
فمن أوثق الرواة عن الإمام مالك ممن روى عنه " الموطأ " الإمام الشافعي وفيه عبارة الإمام أحمد الشهيرة حيث قال الإمام أحمد: سمعت " الموطأ " من بضعة عشر رجلًا من حفَّاظ أصحاب مالك، فأعدته على الشافعي لأني وجدته أقومهم، يعني أقوم الرواة.
لكن الحقيقة هذه العبارة تحتاج إلى دراسة اكثر؛ لأن الإمام أحمد في مُسنده لم يعتمد على رواية الشافعي عن مالك، وإنما اعتمد على رواية عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، ولم يعتمد رواية الشافعي بل لم يخرج للشافعي عن مالك إلا أحاديث يسيرة جدًا، فإما أنه اعتمد على عبد الرحمن المهدي لأنه أقوم، أو لأنه سمع عليه " الموطأ " على الوجه كما يُقال، أو لكونه أعلى سندًا، لكن لا فرق بين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما يروي عن مالك مباشرة.
المقصود أنه يعني اختصاص الإمام أحمد لرواية عبد الرحمن بن مهدي بالرواية في مسنده هذا يدعونا إلى إعادة النظر في عبارة الإمام أحمد المذكورة، أو أن نفهمها بشيء من التقييد، لا على أنه الأقوم والأثبت مطلقًا، لكنه لعله يقصد من أقومهم، من أثبتهم.