الصفحة 239 من 306

فأقصى ما ينزل فيه تقريبًا ثلاثة، ثلاثة رواة فقط، وبينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وله ثنائيات كثيرة، فليس بينه وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا تابعي وصحابي، هذا أمر واضح فيه الصحة، فأحد أسانيده عليها نور، ولها وقظة جلالة في النفوس خاصة ما نعرفه من شدة تحري هذا الإمام وتثبته في الرواية، ولذلك يقول أحد العلماء حول رجال " الموطأ " يقول الفسوي في كتاب " المعرفة والتاريخ " يقول:

ومن كان من أهل العلم ونصح نفسه علم أن كل من وضعه مالك في موطئه وأظهر اسمه ثقة تقوم به الحجة.

فيقول إن كل رواة " الموطأ " ثقات عند مالك، يعني حتى يكون الكلام دقيقًا نقول: إن كل من أخرج له مالك في " الموطأ " فهو ثقة عند الإمام مالك، فقد يكون ثقةً عنده ضعيفًا عند غيره، وهذا وقع في رواة قلة، أكثرهم ممن وردوا إلى المدينة ليسوا من أهلها، أما أهل المدينة فلا تكاد تجد راويًا مدنيًا وثَّقه مالك والراجح فيه أنه ضعيف؛ لأنه أعرف الناس بأهل المدينة، لكن الضعف يأتي فيما لو كان هذا الراوي ممن وردوا إلى المدينة فحسَّن فيه الظن الإمام مالك، وروى عنه في " الموطأ " وقد يكون الصواب أنه ليس بثقة، وهؤلاء الرواة قلائل جدًا من أمثلة عبد الكريم بن أبي المخارق الذي روى عنه الإمام مالك، وهو من أهل العراق، وكان ضعيفًا ليس ضابطًا ومتقنًا، لكنهم قلة ومُستثنون، وسيأتي الكلام عن من ألَّف في رجال " الموطأ " لمن أراد إنه يحصر هؤلاء الرواة، أو يقوم بدراستهم.

ذكرنا سابقًا أن الإمام مالك لما ألَّف " الموطأ " أخذ يرويه سنوات طويلة، إذا كان انتهى من " الموطأ " سنة مائة وتسعة وخمسين، وتُوفيَ سنة مائة وتسعة وسبعين، يعني كم مكث يروي هذا الكتاب؟

عشرين عامًا، كان في كل فترة يغير ويبدل في هذا الكتاب، ويزيد وينقص من الأحاديث والآثار، وربما شك في رواية فحذفها واستبدلها بغيرها، أو ربما شك في الحديث؛ هل هو متصل أو مرسل، فإذا شك وغلب عليه الشك يرجح المرسل على المُسنَد، وهذا من شدة تحريه، فلذلك اختلفت روايات " الموطأ " عن مالك، فكل راوي كان يأتي مثلًا في عام من الأعوام، لنفترض إنه جاء أحد الرواة في أول عام ألَّف فيه الإمام مالك " الموطأ " سيسمع " الموطأ " بالرواية أو بالمنهج الذي سار عليه الإمام مالك في تلك الفترة، إذا جاء راوي آخر في السنة التي تليه قد يكون مالك قدَّم أو أخَّر فيسمع " الموطأ " بزيادات أو بنقص أو بتغيير بخلاف ما كان عليه في السابق، وهكذا في كل عام من الأعوام، ولذلك نقول: كَثُرَت اختلافات الرواة عن مالك، وهذا ما دعى أهل العلم إلى العناية بهذه الاختلافات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت