الأعداد الغفيرة في كل موسم من مواسم الحج، وفي غيرها، وكان إمام أهل المدينة حينها الإمام مالك بن أنس، والجميع يتزاحم على السماع منه والتلقي عنه.
وترجمة هذا الإمام ترجمة شهيرة وزهده وعبادته وعلمه أمر مُشتَهِر، وتعظيمه لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر لا يوصف، وتحريه وتثبته والمبالغة في ذلك غاية المبالغة الأخبار فيه شهيرة ومنتشرة.
ألَّف كتابه " الموطأ " الذي يُعتبر أقدم كتاب مطلقًا، أو نقُل تقريبًا وصلنا حتى نكون فينا حرص أكثر، وصلنا فيه شيء من الترتيب الدقيق، المُبوَّب تبويبًا جيدًا من كتب تلك الفترة، يعني غالب الكتب السابقة له كان ترتيبها فيه شيء من الخلل، فيه شيء من عدم التنسيق، أما كتاب " الموطأ " فهو أول كتاب بلغنا رُتِّب على حسب الكتب، وتحت كل كتاب أبواب، هناك كتب قريبة من عصره لكن كانت مُرتَّبة على الأبواب، والأبواب منتثرة، فربما ابتدأ بباب في الجهاد ثم ينتقل بعده مباشرة إلى باب في الطهارة، ثم يرجع إلى باب في البيوع، ثم يعود إلى باب في الجهاد، مُرتَّب على الأبواب لكن الأبواب غير مُنسقة، أما كتاب " الموطأ " ففيه تنسيق جيد حيث وضع كتاب وتحت كل كتاب أبواب متفرعة عنه، والإمام مالك كان هذا أحد أهم مقاصده من تأليف الكتاب، ولذلك سمى كتابه " الموطأ " أَيْش معنى الموطأ؟ يعني المُسَهَّل، فواضح من هذه التسمية أنه من أهم أغراضه في تأليف هذا الكتاب تسهيل الكتاب لمن أراد أن ينتفع به من خلال هذا الترتيب الدقيق الذي سبق به أهل زمنه.
يُذكر أن هناك من سبق مالك في تأليف موطأ، وهناك من يخالف فيقول: إن مالك أول من ألف الموطأ، لكن لم يبلغنا على كل حال إلا هذا الكتاب، وقطعة من كتاب " موطأ ابن وهب " إذا صحت تسمية هذا الكتاب لابن وهب، وابن وهب من تلامذة مالك على كل حال، يعني متأخر عنه، وتأليفه لكتابه متأخر عن موطأ مالك.
على كل حال هذا هو السبب الأول الذي قيل في سبب تسمية مالك لكتابه بالموطأ.
هناك سبب آخر: قيل مالك سمى كتابه " الموطأ " لأنه عرض كتابه على سبعين إمامًا أو فقيهًا فكلهم واطئه عليه، أي وافقه عليه، وقيل لذلك سُميَ " الموطأ " لكن السبب الأول هو الأظهر والله أعلم.
مكث الإمام مالك في تأليف هذا الكتاب إحدى عشرة سنة، وكان ذلك حسب ما قدَّره أحد الباحثين من سنة مائة وثمانية وأربعين إلى سنة مائة وتسعة وخمسين، ثم مكث بعد سنة مائة وتسعة وخمسين يُعدِّل في كتابه ويزيد وينقص في هذا الكتاب إلى أواخر عمره، وهذا كما سيأتي أحد أسباب اختلاف الروايات الموطأ عن الإمام مالك.