فيقول في هذا الراوي:"إن وجدت أن البخاري ومسلم أخرجا له فهو ثقة بذلك"لو لم تجد في هذا الراوي إلا أنه من رجال البخاري ومسلم فاحكم عليه بأنه ثقة واعتمد تصحيح حديثه، لما يقول هذا الكلام؟
لأن شرط الحديث الصحيح أن يكون الراوي عدلًا ضابطًا، فإذا قال البخاري: هذا حديث صحيح؛ يعني أَيْش؟
يعني: أن رواته عدول ضابطون، فأعتبر مجرد إخراج البخاري للرجل أنه ثقة، وهذا سبق الكلام عنه، حتى قلنا: إنه لا يمكن أن نعارض تجهيل إمام بتصحيح إمام آخر، مثلًا لو وجدنا البخاري ومسلم يصحح الحديث وقال أبو حاتم عن أحد الرواة: إنه مجهول. نقول: من علم حجة على من لم يعلم، إخراج البخاري له يقتضي أنه ثقة عنده، كونك يا أبا حاتم أو يا فلان أو يا فلان من النقاد جهلته فقد عرفه غيرُك بالثقة والعدالة والضبط، فمعرفته مقدمة على جهلك بحالِِهِ، فهذا هو وجه ما ذكره الذهبي حول البخاري ومسلم، ثم قال:"فإن صحح له الترمذي وابن خزيمة فهو جيد الحديث أيضًا".
يقول: لو وجدنا هذا الراوي الذي لم يُجرح ولم يُعدل صحح له الترمذي وابن خزيمة فهذا جيد الحديث أيضًا؛ انتبه إلى كلمة جيد هنا، ما قال: صحيح، لكنه قال أيضًا: (أيضًا) .
يعني: قريب تمامًا من المرتبة الأولى وقد ينزل قليلًا عنها.
ثم قال:"فإن صحح له الحاكم فأقل أحواله حسن حديثه".
فأقل أحواله حسن حديثه؛ يعني هو دائر بين ما سماه (جيد) وما يقول عنه بأنه (حسن) ، هذا الراوي الذي لم يجد فيه جرحًا ولا تعديلًا، هل تستفيد من ذلك أن الذهبي أهدر أحكام الحاكم؟
بالعكس، هذا محل النزاع - يعني تحرير هذه المسألة - يحرر محل النزاع، لأن هذا الراوي ليس فيه جرح ولا تعديل، واكتسبنا أو عرفنا قبوله بمجرد تصحيح الحاكم بالنسبة للدرجة الأخيرة، استفدنا قبوله وأنه أقل أحواله حسن حديثه من مجرد تصحيح الحاكم له؛ هذا قاطع بأن الذهبي لم يهدر أحكام الحاكم وما زال يراه عمده في التصحيح؛ لأنه لم يكتَفِ فقط بالاعتماد على تصحيحه، بل بما يقتضيه هذا التصحيح من كونه لا يمكن أن يصحح لهذا الراوي إلا وهو عنده معروف بالعدالة والضبط، لكن لكونه متساهلًا أنزل درجة هذا الراوي من أن نقول بأنه ثقة إلى درجة أن نقول إنه حسن الحديث في أقل أحواله، انظر! عبارته حتى دقيقة، يعني حج لا تقل: حسن، .. يمكن يصل إلى درجة .. ، لا، أقل أحواله حسن حديثه، لا ينزل عن درجة الحسن أبدًا معنى ذلك.