الصحيحة منها ما صحيح بالفعل ومنها ما هو فيه علة تقدح في الحديث؛ فهذا لعله من الأسباب أيضًا التي جعلت الحاكم أيضًا يتساهل في الحكم على الأحاديث.
السبب الرابع: هو في الحقيقة راجع - هذا الذي ذكره الشيخ المعلمي - إلى الشرطين الأول والثاني؛ لأنه يقول أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: بأسانيد يحتج بمثلها الشيخان، فبنى على أن رجال الصحيحين ممن فيه كلام، فأخرج عن جماعة يُعْلَم أن فيهم كلامًا.
يعني يقول: أنه لغرض السببين الأولين وهو: زيادة عدد الصحيح، وزيادة الأحاديث العوالي أو حرصه لإخراج الأحاديث العوالي، جعله يتساهل في بعض الأحاديث، فربما كان الحديث وإن كان رجاله رجال الشيخين، لكن البخاري ومسلم أخرجا لهذا الرجل مع مدلسًا ما صرح فيه بالسماع، أو مع كونه مختلطًا برواية من سمع منهم قبل الاختلاط، فلم يُخرج البخاري ومسلم لهذا المختلط كل أحاديثه، فيأتي الحاكم فيكتفي بكونه ممن أخرج له الشيخان فَيُخرِج له، يتساهل في هذا الجانب؛ كله بسبب الغرضين الأولين: زيادة عدد الصحيح والرغبة في الحديث العالي.
هذه الأسباب إلى ذكرها الشيخ المعلمي عليه رحمة الله، لكن - الحقيقة - هناك أيضًا سبب أشرنا إليه سابقًا، لكن أريد التأكيد عليه، وهو أنه الذي يظهر لي: أن الحاكم؛ وهو حافظ من الحفاظ، كان مُعْتَزًّا بحفظه وفي قدراته على استحضار السنة دون الرجوع إلى الأصول، ولذلك أحسب أن أكثر أخطاء الحاكم مرجعها إلى أنه لم يكن يراجع أصوله، لما أقول هذا الكلام؟
لأن للحاكم من التناقدات ما يعجب لها الإنسان، ولا يمكن أن تقع فيما لو كان يرجع إلى كتبه وأصوله عند التأليف، فكم من راوٍ مثلًا ذكره في كتابه - المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم - في الباب الذي عقده للرواة الضعفاء الذين هم شديدو الضعف، والذين يقول في ذلك الكتاب أنه لن يذكر في هذا السياق إلا من عرف هو باجتهاده أنه ضعيف ولا تحل الرواية عنه، ثم نجد أنه أخرج لجماعة هؤلاء الرواة في المستدرك مصححًا لهم، ما هو وجهه هذا الفعل؟
تجده يوثق الراوي في موطن ويضعفه في موطن آخر، فهذا يَشْهَد إلى أن الرجل، يعني الذي يراجع الأصول لا يمكن أن يقع، الذي يحرر ويرجع إلى كتبه ويحرر لا يمكن أن يقع في هذا التناقد، هذا التناقد ظاهري، ليست المسألة مسألة أمور خفية أو قد تخفى على الإنسان، لا، الرجل هو الرجل هنا، ما الذي جعلك تصحح له هنا وتضعفه هناك؛ هذا يدل بالفعل على أن ربما اكتفى بحافظته، وهو مع كونه حافظًا تَأَخُّرُ زمنِه يجعل ثقل ضبط أصعب بكثير ممن قبله، فالذي عاش قبل القرن الثاني الهجري أو الثالث الهجري الحفظ عليه أسهل ممن جاء في القرن الرابع والخامس الهجري ولا شك، وكلما امتد