الصفحة 214 من 306

معروف أن المحدثين - كما ذكرنا - يرغبون في الحديث العالي، وللحديث العالي وللحديث الغريب المستفاد شهوةٌ عند المحدثين، لا يكادون ينجون منها، تستولي على قلوبهم، لذة عارمة لا توصف، يعني كما يُبْتَلَى الإنسان بالدينار والدرهم ولذائد الدنيا هم يفتنون بالحديث العالي والحديث الغريب، يعجبهم إعجابًا كبيرًا، وربما شعروا له بلذة أعظم من تلك الَّذائذ كلها، بل هم يصرحون بذلك.

فلما يقف على إسناد عالٍ يتمنى أنه تجتمع فيه شروط الصحة حتى يخرجه في كتابه، فلربما تساهل من أجل هذا الغرض الذي ذكرنا أيضًا أنه من أنواع الهوى الخفية إلى نسأل عز وجل أن ينجينا منها؛ لأنه لا يكاد ينجو منها أحد.

السبب الثالث: أنه لم يلتزم أَنْ يخرج ما لا علة له.

لم يلتزم أن يخرج ما لا علة له؛ هذا حسب كلامه في المقدمة، لكن سبق توجيه كلامه في مقدمة كتابه.

وهناك - الحقيقة - ملحظ آخر لعل الحاكم يقصده، نحن ذكرنا هناك توجيهين لكلام الحاكم؛ لما قال أن البخاري ومسلم أخرجا أحاديث لها علل وأني سأفعل مثلهما أخرج أحاديث لها علل؛ هذا مضمون كلامه الذي ذكرناه بالنص في اللقاء الماضي وفي موطن آخر أيضًا لما تكلمنا على شروط لحديث الصحيح عند البخاري ومسلم.

لكن هنا أمر ثالث: يمكن أن نذكره هنا الآن، وأخرته متعمدًا لأني أريد أن أذكر هذا الأمر الثالث بعد أتكلم عن الغرض من تأليف الكتاب وهو زيادة عدد الصحيح للرد على المبتدعة الذين زعموا أن عدد الأحاديث الصحيحة قليلة، وأنها فقط هي التي في الصحيحين، فإذا تذكرتَ هذا الغرض ثم عرفتَ أن الحاكم يريد أن يكثر عدد الأحاديث كما ذكرنا، فإنه إذا وقف على حديث إسناده ظاهره الصحة، ولو كان فيه علة خفية، ألا ترى أن هذا سيعينه في الرد على المبتدعة؟ سيعينه، ولذلك ربما بالفعل أخرج الحديث واكتفى بظاهر سنده دون الكلام عن عِلَلِهِ، ولذلك في بعض الأحاديث ينص على أن الحديث في شك في إسناده أو فيه علة أو فيه مخالفة، دون أن يصرح بضعفه، فيقول: هذا إسناد صحيح لولا كذا، لو سلم من فلان، وفي بعض الأحيان يقول: هذا إسناد صحيح ويسكت، ثم تذكروا أنه كثيرًا ما يحكم على الإسناد فقط، يقول: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخ. بل غالب عمله كذلك، فكأنه بالفعل شرطه أو غرضه بزيادة عدد الصحيح جعلته يتعامى عن العلل الخفية التي تقدح في الحديث؛ لأنه غرضه الأساسي هو الرد على ذلك المبتدع، وهو يعلم أن هذه الأسانيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت