في البحث والدراسة دون أَنْ يشعر، وهذه طبيعة البشرية، لا يكاد يخلو منها أحد، فتجد مثلًا العالِم إذا جاء مثلًا في باب مناقب وفضائل ومكانة النبي عليه الصلاة والسلام يتوسع في إيراد الأحاديث الدالة على فضل النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا جاء في باب ذكر الأحاديث الباطلة والموضوعة ربما حكم على أحاديث مما وردت في ذلك الكتاب بأنها باطلة وموضوعة.
هذا تناقد، لكنه لما فعل ذلك؟ قلة ديانة كما قد يتصور البعض، فأورد تلك الأحاديث من أجل أن له فيها مصلحة! لا، هذا أمر - حقيقة - ربما فعله دون أن يشعر، الموضوع يقوده إلى ذلك، وأنتَ هذا من نفسك وأمثلته كثيرة، يعني مثل ما نذكر نحن في التوثيق النسبي والتضعيف النسبي، لما يُسأل الناقد عن كبار الحفاظ ومعه رجل حسن الحديث، فتجده يقول: فلان إمام ثقة، وأما فلان فضعيف. ما يقصد بضعيف أنه مردود الرواية، لكن يقصد أنه ليس كالأول؛ هذا التصرف نوع من التأثر الذي لا يشعر به الناقد.
ومثله تمامًا أيضًا التوثيق النسبي، كأن يسأل عن رجل كذاب ورجل ضعيف لكنه صادق، فيقول: أما فلان فكذاب، وأما فلان فصدوق. يقصد صدوق اللسان ليس بكذوب، فهذا التأثر لا بد للإنسان أن يقع في قدر منه وفي شيء منه، لكن ما بين مستقل ومستكثر، ومنهم من يوفقه الله عز وجل ويعينه فتكون غالب أحكامه موفَّقة مقارِبة للصواب، ومنهم من يخطئ ويَعْثُر أكثر من الأول، فهذا أمر طبيعي، وإذا الإنسان وضع غرضًا أمامه لا بد أن يتأثر به، لكن ليسأل الله العون وكذا، وأن يوفقه إلى أن يتبع هذا الهوى دون شعور، فهذا أمر واقعي ويقع من كل شخص، والحاكم لما وضع هذا الغرض في كتابه لائِح أنه كان حريصًا على أن يُكَثِّر عدد الأحاديث الصحيحة، وإلا لِمَا يُخْرِج بعض الأحاديث فيقول مثلًا في بعضها: هذا حديث صحيح لولا إرسال فلان.
طيب! ما دام تعرف أنه مرسل لماذا تذكره في الكتاب؟
لما يقول مثلًا: هذا حديث صحيح إن سلم من فلان.
طيب! لماذا تذكره؟!
لغرض تكثير العدد.
فالمقصود أن هذا غرض صحيح وسبب صحيح لأخطاء الحاكم وتساهل الحاكم في كتابه.
السبب الثاني الذي ذكره الشيخ المعلمي عليه رحمة الله في كتابه"التنكيل": أنه قد يقع له السند العالي أو الغريب مما ينافس فيه المحدثون، فيحرص على إثباته.
وهذا بالفعل وقع له؛ فذكر مرة حديثًا لعطية العَوْفِي فبين أنه إنما أخرجه لأنه عالي السند.