ما عقلناه، والباب إذا لم تُجمع طرقه ما عقلناه، وما شابه ذلك من العبارات، فكان الرجل منهم يسمع الحديث، مثلًا من حديث حماد بن سلمة يسمعه يحيى بن معين من عشرة أو عشرين أو ثلاثين من الرواة ومع ذلك يزداد أيضًا في طلبه، يريد أن يعرف ماذا قال تلامذة حماد بن سلمة عن حماد بن سلمة، أما نحن ذكرنا قسم من المتابعات أو من الرواة عن حماد بن سلمة، نقف على اثنين، ثلاثة، عشرة، خمسة عشر، لا نكاد نصل أكثر من ذلك في كثير من الأحيان، وربما أقل ذلك، وربما لم نجده إلا من وجه واحد وهو كان في زمن الرواية معرفًا من وجوه مختلفة عن ذلك الراوي، فكانت عندهم قدرة على النقد لم تكن موجودة، أو ليست متيسرة لمن تأخر عنهم من النقاد، وهذا وقع بعضه للحاكم، لم يقع كله، طبعًا ما زال الحاكم أقرب عهدًا من غيره من تلك الفترة، لكن كل ما في الأمر نريد أن نبين أَنَّ مَنْ أسباب تساهله عما وقع للبخاري ومسلم ومن سواهما أنه تأخر في الزمن عن أولئك، يعني لو وُجِدَ البخاري في زمن الحاكم لن يكن عمله مثل عمله في الفترة التي عاش فيها، نعم لن يكون في مثل تساهل الحاكم، لكنه أيضًا طول الإسناد وهذا التشعب وهذه الصعوبات سيواجهها، ولا شك أن هذه الصعوبات سيكون لها أثرًا - ولو يسير - على كتابه أكثر مما لو كان في زمنه الذي عاش فيه وهو قبل زمن الحاكم بِقَرنٍ كامل من الزمان.
فهذان السببان أشار إليهما الذهبي في كتابه"الموقظة".
ذكر المعلمي في"التنكيل"خمسة أسباب لتساهل الحاكم:
السبب الأول: يقول: غرضه من التصنيف.
يقول أول سبب لتساهله أن غرض الحاكم من تصنيف كتابه الرد على أهل البدع الذين زعموا أنه لا يصح من الأحاديث الصحيحة إلا قدر عشرة آلاف حديث وهي التي أخرجها البخاري ومسلم، فهو يريد أن يبين لهم خطأ هذا القول، وأن قولهم هذا مباين للصواب كل المباينة، فهذا دعاه إلى التوسع في التصحيح، يعني كأنه يريد أن يقول: قولكم أبعد من أن يكون على الصواب، فهذا الدافع النفسي يجعل الإنسان حريصًا على أَنْ يكون عدد الأحاديث أكثر مما يتوقعه كثير من الناس، وهذا قاده إلى التساهل في الأحاديث التي صححها.
وهذه القضية - وإن كان من لم يُمْعِن فيها النظر - قد يظنها اعتذارًا في غير محله أو ما شابه ذلك، لكن من يعرف تأثر الإنسان - الضعيف بطبعه - الذي يحتاج إلى إعانة ربه في كل خطوة يخطوها، تأثر الإنسان بالغرض الذي يقع في ذهنه أو في عقله، فهذا الفعل منه أو هذا التأثر يجعله يقوده - وهذا يمكن أن تسميه بالهوى، هوى، لكن لا يشعر به - إلى أمور قد تكون مخالفة للقواعد العلمية وللموضوعية