الصفحة 211 من 306

الإسناد ثلاث ثقات فاحتمالات الوهم تكون في كل واحد منهم؛ يعني يحتمل في الأول والثاني والثالث أن يخطئ، فإذا كانوا أربعة صارت الاحتمالات أربعة، فإذا كانوا خمسة صارت الاحتمالات خمسة، وكلما زاد العدد زاد احتمال الوهم، وكلما قل العدد كلما قلت احتمالات الوهم، فالحاكم عدد رجال أسانيده لا شك أنها أَنْزَلُ بعدد واضح؛ برجلين وثلاثة وأربعة عما كان في زمن الصحيحين البخاري ومسلم أو الكتب الستة عمومًا.

فهذا لا شك أنه سَبَبٌ أول أشار إليه الذهبي لصعوبة نقد الأسانيد بالنسبة للمتأخرين.

السبب الثاني الذي أشار إليه: أن قرب عهد الأئمة الذين ذكرناهم كالبخاري ومسلم أكثر من زمن الحاكم، أن هذا يؤدي إلى سهولة نقد الأسانيد والمتون، من جهة أن هؤلاء العلماء ربما عاينوا أصول الرواة التي يرووا منها، فمثلًا إذا كان هناك راوٍ مدلِّس مثل: الوليد بن مسلم أو مثل: بقية بن الوليد أو أي راوٍ من الرواة، وسمع البخاري حديثه مُعَنْعَنًا من أحاديث تلامذة بقية، يقول هذا التلميذ مثلًا: حدثني بقية عن فلان من الناس. فبإمكان البخاري أن يتثبت ماذا قال بقية بالرجوع إلى أصل بقية، فربما كان أصل بقية الذي كتبه بخطه موجودًا عند أحد تلامذته، وهذا وقع كثيرًا، وكثيرًا ما يرجع إليه النقاد، فيقولون: رأيت أصل فلان بخط يده فيه كذا وكذا وكذا، فيسهل عليه النقد بهذه الصورة.

يعني مثل في مرة من المرات يقول علي بن المديني: وقفت على كتاب محمد بن سيرين عن أبي هريرة بخط يده. في أكثر من هذا! يعني قدرة على النقد غير متوفِّرة بالنسبة لنا!

مثلًا الآن لو وجدنا حديثًا رواه عشرة من الرواة الثقات عن محمد بن سيرين مرفوعًا أو متصلًا، ثم انفرد راوٍ واحد ورواه عن محمد بن سيرين مرسلًا، القاعدة المتبَعة عندنا: أن نُقَدِّم الرواية العشرة وهي المتصلة ونرد الرواية المرسلة، لكن لو جاءنا علي بن المديني وقال: المرسل أصوب. حتى لو لم يبين بماذا رجح، قد نَستغرب نحن ونقول: لا، ونعارض كلام ابن المديني!.

علي بن المديني وقف على أصل محمد بن سيرين بخط يده، فيمكنه أن ينقد هذا الحديث بمعطيات غير موجودة عندك أنت أصلًا، فوقوفه على هذا الكتاب يُتيح له من النقد ما لا يُتِيحه أمر آخر؛ اختلاف الرواة، عدم اختلافهم، هذه كلها أشياء تفيد غلبة الظن، أما الوقوف على أصل الكتاب، هذا لا شك أنه أقوى من غيره، فأولئك النقاد كانوا ربما وقفوا على أصل الكتاب، أضف إلى ذلك، يعني حتى ولو لم يقف على أصل الكتاب، بسهولة جدًّا يعرف ما هو الصواب في رواية هذا الراوي بأن يسمع هذا الحديث من جماعة من تلامذته وهم قريبو عهد ممن يُختلف عليهم ومن الرواة الذين يُرجع إليهم في معرفة صواب الرواية، ولذلك كان يقول يحيى بن معين: الحديث إذا لم نكتبه من ثلاثين وجهًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت